"إرهاب أكاديمي" سخرية بالدين، و"دعاة على أبواب جهنم" نقد للإسلام، ونقد الدين والسخرية به كفرٌ مخرج من الملّة! والمتدينون لا يجوز نقدهم لأن نقدهم والسخرية بهم نقد للدين وسخرية بالثوابت! هذا ملخّص لما قرأته وسمعته من نقد موجَّه للأعمال التي تطرقت لشريحة المتدينين ناقدة مرة بأسلوب ساخر وأخرى بأسلوب جاد، والتي تمّ عرضها هذا العام في الفضائيات العربية عبر الدراما التلفزيونية، وأحسب أنني بحاجة قبل مناقشة هذا الكلام إلى إطلالة سريعة على الأدب الساخر كمفهوم عام ومن ثم التطرق للأدب الساخر في تاريخنا العربي والإسلامي وهل تناول شريحة المتدينين بالسخرية أم كان يعتبرها شريحة مقدسة تتماهى مع الله والدين؟ الأدب الساخر تراث بشري تناقلته الأمم وتوارثته الأجيال وأنس به البشر طوال عمارتهم للأرض، فلا يكاد الباحث يجد أمة لم يكن لها تاريخ في الأدب الساخر وشخصيات ورسومات وأشعار وأخبار، ذلك أن النفس البشرية في تركيبتها تسعى إلى البهجة وتبحث عن السعادة والترويح، والأدب الساخر بكافة أشكاله وتجلياته يمنحها من السعادة الشيء الكثير ومن البهجة ما يشرح خاطراً ويزيل هماً. ويعيد بعض الباحثين جذور السخرية الأصلية إلى قدماء المصريين الذين سجلوا تلك السخرية في رسوماتهم وكلماتهم التي حفروها على جدران معابدهم، فيما يقارب فنّ الكاريكاتير المعاصر، كما ذكر شوقي ضيف في كتابه "فكاهة مصر"، وأضاف أن السخرية أرقى أنواع الفكاهة لما تحتاجه من ذكاء وخفة ومهارة وخفاء ومكر. والأدب الساخر له أساليب وصيغ ومقومات ودعائم لا تصل رسالته بدونها، ولا يكتمل بناؤه في غيابها، كما أن له تمظهرات في الحياة الإنسانية منها النكتة المحكيّة نثراً أو شعراً، ومنها الرسوم الثابتة "الكاريكاتير"، ومنها القصة والرواية، ومنها المسلسلات والأفلام في العصر الحديث، وغير ذلك كثير. الأدب الساخر يحمل في العادة رسالة أقوى من الكلمات الجادّة ويصل لغايته بطريقة أسهل وأيسر، ويتناقله الناس بناء على إعجابهم بجماله وذكائه ومهارته وخفته، فهو مركب بالغ التأثير في إيصال الأفكار وتوجيه المجتمعات. في التاريخ العربي تراثٌ مثير من الأدب الساخر يمتد من عصر الجاهلية حتى يومنا هذا مروراً بالعصر النبوي فالراشدي فالأموي فالعباسي، تناقلته الكتب بشتى تصنيفاتها، وكتب فيه جماعات من العلماء، منهم الأدباء والفقهاء والمحدِّثون وأهل الكلام والفلاسفة. كان الأدب الساخر في تراثنا العربي والإسلامي يتناول كافة شرائح المجتمع، لا يفرّق بين متديِّن وغيره، ولا بين حاكم ومحكوم، ولا بين فقيه ومحدِّث، ولا بين شاعر وناثر، الكل كان يخضع للسخرية والنقد من قبل أقرانه أو خصومه، ولم يذكر عن أحد منهم استنكار ذلك أو التشنيع على كاتبه أو قائله، فضلاً عن الهوس المعاصر بتفسيقه أو تكفيره! كانت في المجتمع المسلم شرائح متعددة تشملها تسمية "الشرائح المتديّنة" من مثل القرّاء (أي قرّاء القرآن) والفقهاء والمحدثين والقضاة ومعلّمي الصبيان والأئمة والمؤذنين والمتزهِّدين والعُبَّاد وغيرهم، ولم يكن أحد في المجتمع حينذاك يجد حرجاً شرعياً من تناول هذه الشرائح بالنقد الجاد أو النقد الساخر، بل كانوا مثلهم مثل غيرهم من شرائح المجتمع يخضعون لمبضع النقد جادِّه وساخِره، بل كان بعض من يتناولهم بالنقد والسخرية علماء كباراً وفقهاء معتبرين وأئمة من أئمة الدين. كان الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن الجوزي المتوفي في سنة 597 للهجرة أحد أفراد العلماء الكبار الذين يشار إليهم بالبنان في وقتهم وفيما تلاه من القرون، وهو من فقهاء الحنابلة المعتبرين ومن العلماء المتفنِّنين ومن أكثر العلماء تصنيفاً للكتب. كتب هذا العالم لوحده عدداً من المصنّفات في نقد شرائح المتدينين ونقد بعض مظاهر الحمق والغلو والانحراف لديهم قياماً منه بأمانة العلم وتعديل الاعوجاج في المجتمع، فكتب كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين" وكتب كتاب "تلبيس إبليس" وغيرهما من الكتب. كما كتب غيره من العلماء على ذات المنوال منهم الإمام الذهبي أحد كبار علماء الشافعية في وقته، وقبلهم وبعدهم كثيرون منهم الجاحظ عالم المعتزلة وياقوت الحموي والتنوخي وغيرهم. في كتابه "أخبار الحمقى والمغفلين" يذكر ابن الجوزي خمسة عشر فصلاً في ذكر أصناف المغفَّلين، جعل أكثر من نصفها "تسعة فصول" في نقد شرائح المتدينين وذكر غرائب حماقاتهم، ولم يكتب أو يفتِ أحد حتى يوم الناس هذا بأن ابن الجوزي كفر وارتدَّ عن الإسلام لأنه انتقد مثل هذه الشرائح المتديِّنة. كما كتب الإمام الذهبي في كتابه "زغل العلم" تشريحاً طويلاً لكافة شرائح المتدينين في زمنه وقال في أول الكتاب: "اعلم أن في كل طائفة من علماء هذه الأمة ما يذمُّ ويُعاب فتجنَّبْه"، ثم استرسل في ذكر انتقاداته على كل شريحة على حدة، فتحدث عن علماء المالكية والحنفية والحنابلة والشافعية، كما تحدث عن المفسِّرين وعلماء الفرائض والمناطقة وغيرهم. ابن الجوزي في مقدمة كتابه ينقل عن عدد من الصحابة والتابعين مبررات تقديمه لكتاب في الفكاهة والسخرية والترويح فينقل عن علي بن أبي طالب أنه قال :‏ "روِّحوا القلوب واطلبوا لها طرف الحكمة فإنها تملُّ كما تمل الأبدان"‏، وعن أبي الدرداء‏ أنه قال:‏ "إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهية أن أحمل عليها من الحق ما يكلّها‏"، وعن حماد بن سلمة أنه كان يقول‏:‏ "لا يحب المُلَح إلا ذكران الرجال ولا يكرهها إلا مؤنثهم"، ثم شرع ابن الجوزي في ذكر فكاهات وحماقات عن المتدينين بشرائحهم السابقة، بعضها يتعلق بقراءتهم للقرآن وبعضها بروايتهم للحديث وبعضها في مسائل الفقه، وبعضها في إمامة الصلاة وفي الأذان وغيرها كثير، وهي فكاهات ساخرة لو سمع بها بعض متنطِّعي المتدينين في يومنا هذا لأصدروا الفتاوى في تكفير ابن الجوزي رحمه الله! ‏وقبل ابن الجوزي كان جمعٌ من كبار المحدِّثين والعلماء مشهورين بخفة الدم وإلقاء النكت الساخرة من تلاميذهم ومعاصريهم من المتدينين، من أمثال الأعمش وشعبة بن الحجاج وصالح جزرة ويزيد بن هارون وغيرهم. وفي زوايا التاريخ والتراث وكلام أهل العلم بقايا من هذه الأحاديث التي تتبع سبيل السخرية في نقد المتدينين دون أن تجد حرجاً شرعيا يمنعها من ذلك، ولولا خشية الإطالة لأوردت العشرات بل المئات من الأمثلة التي تقشعرُّ لها أبدان الغلاة والمتشددين اليوم، الذين يفهمون الدين فهماً غير ما فهمه أهل العلم، ثم يعتقدون أن فهمهم هذا هو الدين نفسه، فمن تعرّض لهم بالنقد أو السخرية اتهموه بأنه ناقد للدين ساخر بالإسلام، وكم أتمنى أن ينبري أحد الباحثين المعاصرين لتأليف كتاب حول أخبار الحمقى والمغفلين المعاصرين ويتناول في جزء منه حماقات المتدينين المعاصرين إذاً لخرج بجزء نفيس يكمل مسيرة ابن الجوزي والذهبي وغيرهم من كبار العلماء في تراثنا.