فجأة تحول كل ممثلي الشعب العراقي إلى عملاء وخونة، وتحولت المؤسسات الثقافية والفكرية والأدبية والقانونية وحتى التجارية العراقية إلى مؤسسات غير شرعية أو إلى مؤسسات دخيلة وخائنة لأنها لا تمثل الشرعية في نظر جزء من المحسوبين على النخبة المثقفة من العرب!
في البداية تعامل العرب بجفاء شديد وبنفور وقلة ذكاء مع مجلس الحكم المؤقت في العراق، فرفضوا استقبال أعضائه، واعتبروهم ممثلين غير شرعيين للشعب العراقي، وتحول المجلس في القاموس السياسي العربي إلى مجلس منبوذ لأنه (لا يمثل الشرعية في العراق)! ثم تعاملت أغلب الاتحادات العربية مع نظيراتها العراقية بالأسلوب نفسه، فكان الجفاء ورفض استقبال الوفود العراقية هو موقف موحد وكأنها حملة منظمة ضد الذين اختارهم ويختارهم الشعب العراقي عقب سقوط النظام البائد.
ولم تبق منظمة أو اتحاد عربي إلا وأدلى بدلوه في هذا الميدان، بدءا من اتحادات عريقة في العمل النقابي، ومرورا باتحادات ومنظمات لا صيت لها ولا سمعة في الشارع العربي. ولم يستثن من التعامل لا اتحاد (الطرشي) العربي ولا اتحاد بائعي أعقاب السجائر و(التتن) ولا اتحاد السمّاكين العرب!.. فالكل تعامل مع الشعب العراقي بنفس المنطق الأعمى الذي ورثته العقلية العربية من دكاكين وبازار (النضال القومي العربي) و(ليلام) الفكر الشمولي الاشتراكي الانعزالي الذي انبثق في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
ويبدو أن الزمن قد توقف عند هؤلاء الذين يتصنعون فعل النضال ورفع راية القومية ومقاومة الإمبريالية، فيتناسون أنهم يعيشون اليوم في العام الرابع من الألفية الثالثة. وهؤلاء يتحركون عكس عقارب الساعة. فطرد ممثلي اتحاد الأدباء والكتاب العراقي في المؤتمر الـ22 لاتحاد الأدباء والكتاب العرب الذي عقد في الجزائر قبل أسبوعين، هو محاولة مكشوفة للمزايدة على العراقيين في انتمائهم لوطنهم، وهو يندرج ضمن نفس المسلك الغبي للفكر القومي العربي الآتي مع رياح الخمسينيات والستينيات.
وقيام وفد من 60 محاميا عربيا يمثلون اتحاد المحامين العرب بالتبرع لما أسموه بـ(الدفاع عن المناضل صدام حسين)، هو أيضا يندرج ضمن نفس المسلك الجاهل لأصحاب الفكر القومي المتخلف الذين يزاحمون كل الخلائق في المزايدة والصراخ ورفع شعارات (النضال القومي) ومحاربة الإمبريالية، وكأن بقية العرب جميعا هم خونة وعملاء للغير!
فعل معيب بحق اتحاد الأدباء والكتاب العرب أن يطرد ممثل اتحاد الأدباء العراقيين الأديب والقاص العراقي حميد المختار والناقد العراقي فاضل تامر من القاعة التي تم فيها تنصيب علي عقلة عرسان، الذي صار وريثا لعرش الاتحاد ردحا من الزمان، أمينا عاما للاتحاد بحجة غبية لا تتفتق إلا عن أذهان (ديناصورات) القومية العربية الآيلة للانقراض. فالحجة التي ساقها اتحاد الأدباء والكتاب العرب هي أن الوفد العراقي لا يمثل الشرعية في العراق!؟. وما أغباها من حجة. فكأن هؤلاء الآتين من رحم الأنظمة العربية الديكتاتورية، الأعضاء في اتحاد الأدباء والكتاب العرب، قد جاءوا ممثلين عن حكومات وأنظمة شرعية منتخبة انتخابا ديمقراطيا!؟
ويا ويح أمة هذه حال بعض كتابها وأدبائها. مجرد عقول خاوية، وأفكار بالية و(ديناصورات) على عتبة الانقراض، يزايدون على العراقيين وعلى أدباء العراق وكتّابه تمثيلهم لشعبهم ووطنهم، ويبيعون في سوق النخاسة المليئة بالشعارات القومية البالية كلمات وبيانات منمقة، وكأنهم يعلنون رسميا أنهم امتداد لنظام ديكتاتوري قضى على كل حقوق البشر وصادر أي نوع من الحريات الفكرية والأدبية.