في يوم عيد الغفران اليهودي قص عليَّ الحاخام نكتة طريفة. على إحدى موائد الطعام التي أقامتها مدرسة دينية نصبت لوحة بالقرب من إناء يحتوي على تفاح تقول "خذ واحدة فقط فالله يراك"، لكن في الطرف الآخر من المائدة التي كانت تمتد على طول المكان وضع أحدهم لوحة أخرى بالقرب من صحن مليء بالحلوى تقول: "خذ ما تريد من الحلوى، فالله يحرس التفاح". وقد أوردت تلك النكتة لأنها تذكرني بالنقاش الدائر حالياً في أميركا حول جدوى التجارة الحرة. ففي هذه اللحظة وما دام "الجمهوريون" في السلطة فإنه لا خوف على التجارة الحرة، لكن بينما نراقب بارتياح الطرف الأول للطاولة، تتعرض الأفكار المؤيدة للتجارة الحرة إلى عملية تقويض في الطرف الخلفي، حيث بدأت تتراجع فكرة دعم فتح الأسواق وعاد الحديث عن الحمائية. فقد تعرضت جولة الدوحة بشأن محادثات التجارة الحرة إلى عراقيل عديدة بسبب معارضة المزارعين الأميركيين. كما أن سلطة البيت الأبيض في إجراء المفاوضات سوف تنتهي قريباً. وإذا ما وصل "الديمقراطيون" بميولهم الحمائية إلى مجلسي الشيوخ والنواب، وهو ما سيحدث على الأرجح، فمن المتوقع أن تتوقف الاتفاقات الأميركية بشأن التجارة الحرة. لكنني آمل ألا يقدم "الديمقراطيون" على ذلك الأمر فلطالما آمنت بفوائد التجارة الحرة على أن تصحبها رواتب جيدة ورعاية صحية تخلق نوعاً من الأمان. واليوم لم أعد فقط من المؤيدين للتجارة الحرة، بل أصبحت أحد أشد المتطرفين في الدفاع عنها. ففي عالمنا المعاصر يمتلك العديد من الناس وسائل الاتصال، وقدرات هائلة على الابتكار والتنافس والتواصل، ثم التعاون من أية منطقة في العالم. لذا فإن القاعدة رقم واحد في عالم الأعمال هي أن هناك دائماً من يقوم بشيء ما في العالم، فإما أن تكون أنت ذلك الشخص، أو أن تكون المستفيد من خدمته. وفي عالمنا أيضاً لا توجد طريقة تضمن ازدهار المجتمع وتقدمه سوى المزيد من التعليم والانفتاح، فضلاً عن المرونة في التعامل، حيث يستطيع عدد أكبر من المواطنين أن يكونوا السابقين إلى القيام بما يتعين القيام به. فمن المهم مثلاً أن تكون "جوجل" شركة أميركية وابتكاراً توصلت إليه أفضل العقول الأميركية. نادان نيليكاني، المدير التنفيذي للشركة الهندية "إنفوسيس" في مجال المعلومات يؤكد في هذا الإطار أن أي مجتمع يفرض أقل الكوابح على "التدفق السلس للأفكار والمفاهيم، ويسمح بأعلى قدر من التعددية والتنافسية سوف يفوز في النهاية"، مضيفاً: "أن أي مجتمع يتوفر على الإمكانات اللازمة لتحويل الأفكار وترجمتها إلى السوق سيفوز أيضاً". واللافت أن اليسار القديم مازال يعتقد أن التجارة الحرة لا يستفيد منها سوى الشركات العالمية. والواقع أنه حتى الشركات المتوسطة والصغرى أصبحت في أمسِّ الحاجة إلى التجارة الحرة للتواصل بشكل أفضل مع العالم الخارجي وتسويق منتجاتها أينما أرادات. فخلال الأسبوع الماضي التقيت في نيبراسكا بدوج بالمير الذي يعمل مع شريكه بات بوشارت على إنتاج نوع عازل من الخرسانة يستعمل في البناء. وكانت الطريقة التقليدية لتشييد بنايات عازلة تعتمد على نوع من الرغوة التي تنتج أولاً ثم يتم نقلها إلى مواقع البناء في شاحنات كبيرة لتتم إضافتها إلى الخرسانة. لكن شركة بالمير تمكنت من خلال معدات كورية أن تنتج خرسانة عازلة في نفس المكان مدخرة بذاك تكلفة النقل. واليوم تقوم شركة بالمير باستيراد المعدات والآلات من كوريا وتضيف عليها التعديلات التي تمكنها من إنتاج الخرسانة العازلة، ثم تصدرها إلى الكويت. وخدمة للمستهلك تتوفر الشركة على كتيب صغير يشرح أنشطتها باللغة العربية يخاطب الكويتيين ويوضح كيفية استخدام الخرسانة المطورة. وقد قامت وكالة إعلانات محلية تملكها قبيلة سينباجو الهندية بنيبراسكا أطلقتها شركة التطوير الاقتصادي التابعة للقبيلة نفسها، ليصبح الوضع كالتالي: قبيلة هندية في وسط الولايات المتحدة تقوم بإنتاج كتيب يشرح استعمال معدات تستوردها شركة أميركية من كوريا ليسوق المنتج النهائي في الكويت. وفي هذا الإطار يقول صاحب الشركة الأميركية بالمير "إن فكرة الحمائية تخيفني، فإذا أبقينا مثلاً على الطريقة القديمة في إنتاج الخرسانة، فإن أحداً آخر في العالم سيتولى مهمة تطوريها، بينما سيكون مصيرنا نحن الانقراض. لذا علينا أن نكون أكثر مرونة". وبعد أيام قليلة التقيت في سيليكون فالي بأريجيت سينجوبتا، وهو أميركي شاب من أصل هندي تخرج من جامعة ستاندفورد وتمكنت شركته "بياند كور" من تطوير برمجيات كمبيوتر قادرة على رصد الأخطاء في الأعمال المكتبية التي ترحلها الشركات الأميركية إلى الخارج وتصحيحها. وعندما التقيت بسينجوبتا أعطاني بطاقة العمل يعلوها رمز الشركة التي كما قال لي صممها له فنان من رومانيا تعرف على شركته من خلال الإنترنت. وقد تمكن الشاب الأميركي من توريد خدماته لشركات هندية تنجز أعمالاً بالنيابة عن شركات أميركية وتحتاج لبرمجيات قادرة على ملاحقة الأخطاء وتصويبها. وعندما سألته عن مقر شركته سحب هاتفه النقال موضحاً أنه يتلقى مكالمات من مختلف بقاع العالم، حيث يتوفر حالياً على أكثر من 500 عميل يعتمدون على الخدمة التي يوفرها لهم. وقد أسر لي سينجوبتا أنه عندما أراد إنشاء الشركة لم يفكر قط في الجغرافيا "كل ما كان عليَّ أن أفكر فيه هو توفير الإمكانات لإنجاز العمل". توماس فريدمان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"