تساءلت في مقالي السابق عن المسائل (الشكلية) التي تعلقت، عندي، بما حدث في المؤتمر الصحفي لفضيلة سيدي الإمام الأكبر ووزير الداخلية الفرنسي (نيكولا ساركوزي). وأرجأتُ إلى هذا الأسبوع حديث (الموضوع)·
وأول ما أحب تسجيله، حامداً الله تعالى، أن فضيلة سيدي الإمام الأكبر، شيخ الأزهر، قد ألقم المتقولين عليه، والمتهمينه بما لم يقع منه، ألقمهم حجراً عندما قال بملء فيه: (إن الحجاب للمرأة المسلمة فرض إلهي، وإذا قصرت في أدائه حاسبها الله على ذلك، لذلك لا يستطيع أي مسلم سواء كان حاكماً أو محكوماً أن يخالف ذلك··) (النص المنشور عن المؤتمر الصحفي على موقع (إسلام أون لاين))· وهذا التأكيد لأصل مشروعية الحجاب وفرضيته عمل جليل من فضيلة الإمام الأكبر يجب على كل مسلم أن يحتفي به ويستمسك بنصه.
ومنع الإمام الأكبر أي مسلم حاكماً كان أو محكوماً من مخالفة ما أكده منعٌ صحيحٌ من الناحية الفقهية. وهو يوجب على القائل به أن يرتب نتائجه عليه:
فيعلن اعتراضه على ما يفعله الجهاز الإعلامي الحكومي من منع المذيعات المحجبات (وعددهن يربو على العشرين) من الظهور على شاشات التلفزيون المصري (!)
ويعلن احتجاجه على المستشفيات الحكومية المصرية التي تمنع العاملات بها من طبيبات وممرضات من ارتداء الحجاب في أثناء العمل، مع أنه إلى عهد قريب كان جزءاً من زيهن الرسمي، بدعوى أن المسؤول الأعلى عن هذه المستشفيات لا يحب شكل المحجبات، ولا يستريح لغطاء الرأس، حتى إنه نزعه بيده -فيما تقول قصة متداولة على نطاق واسع- من فوق رأس إحدى الممرضات في أثناء زيارته لمستشفى كبير في مدينة الإسكندرية (!)
ويعلن -أعني فضيلة الإمام الأكبر- رفضه المؤيد برأيه الفقهي، ذاك، لما فعلته مدرسة في الإسكندرية (مدرسة فرنسية بالمناسبة) من فصل طالبتين ترتديان الحجاب، ويعلن رفضه وإدانته لامتناع هذه المدرسة، وعجز الجهة المسؤولة عن التعليم في المحافظة عن إجبارها على تنفيذ الحكم القضائي الصادر بحق هاتين الطالبتين في تلقي العلم في مدرستهما(!)
ويعلن استياءه -على الأقل- مما تصر عليه شركة مصر للطيران من عدم السماح للمضيفات المحجبات بالطيران على طائراتها وإحالتهن جميعاً، وإحالة كل مضيفة ترتدي الحجاب، إلى العمل في المكاتب الأرضية (!)
وهذه المواقف كلها تحدث -وهي مستمرة- في مصر الإسلامية، بلد الأزهر، الذي يقرر شيخه، سيدي الإمام الأكبر -صادقاُ- أن الحجاب فريضة على المرأة المسلمة. والسكوت على هذه المواقف لا يجوز لمن كان في مثل شجاعته واستمساكه ببيان الحكم الشرعي، دون مراعاة للوزير الفرنسي أو مجاملة له (!)
وإذا كان فضيلة سيدي الإمام الأكبر قد اعتصم في حديثه مع الصحفية النابهة الأستاذة سناء السعيد (الأسبوع 5/1/2004) نحو ثماني مرات بعبارات مثل (وأنا مالي.. وأنا مالي) و(أنا ما ليش مصلحة) و(أنا لا علم لي بما تقولينه) و(ليس لي وجهة نظر) و(لا أستطيع أن أُقَيّم) (الصواب: أقوم).. في شأن الجواب عن أسئلة حول أمور تتصل بغير مصر، فإن هذا الاعتصام لا يصلح مخرجاً من واجب فضيلته، الذي لا أشك أنه سيسارع إلى القيام به، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في شأن الحالات المصرية الأربع التي ذكرتها لفضيلته فيما سبق.
الأمر الثاني فيما يتعلق بـ(الموضوع) هو مذهب سيدي الإمام الأكبر في شأن كون القانون الفرنسي، الذي لم يصدر بعد، يعد ضرورة تبيح للمرأة المسلمة المخاطَبة به ارتكاب محظور التخلي عن الحجاب الذي قرر سيدي نفسه أنه (فريضة إلهية)!·
وحاصل القول في هذا الأمر أن الضرورة عند الفقهاء هي.. (الخوف على النفس من الهلاك علماً أو ظناً) (يعني يقيناً أو توقعاً غالباً)· و هي (خوف الضرر على نفس الإنسان أو بعض أعضائه). أو هي (خوف الموت أو المرض أو الضعف أو الضرر البين). أو هي (التي يُخافُ التلف بها). فالأول تعريف المالكية، والثاني تعريف الحنفية، والثالث تعريف الشافعية، والرابع تعريف الحنابلة.
والعلماء المعاصرون لهم تعريفات منها أن الضرورة هي: (خوف الهلاك على النفس أو المال). وأنها: (حالة الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذىً بالنفس أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال··). وأنها: (خوف الهلاك أو الضرر الشديد على إحدى الضروريات للنفس والغير··). فالأول تعريف ذهب إليه أخونا العلامة الدكتور يوسف قاسم، والثاني تعريف قرره أخونا العلامة الدكتور وهبة الزحيلي، والثالث تعريف قاله الشيخ جميل محمد بن المبارك في رسالته (نظرية الضرورة الشرعية: حدودها وضوابطها)·
ولست أعرف إلى أي مذهب من المذاهب المتبوعة ينتمي فضيلة سيدي الإمام الأكبر، شيخ الأزهر، ولا أستطيع أن أقطع بأنه طالع كتب الدكتور يوسف قاسم والدكتور وهبة الزحيلي، والشيخ جميل المبارك، وكلها رسائل جامعية يتداولها المتخصصون في الفقه لا المتخصصون في غيره من العلوم الإسلامية. ولذلك لا حجة عندي على فضيلة الإمام الأكبر في أيٍّ من هذه التعريفات الفقهية. فيبقى أن أسأل فضيلته أن يدلنا، ونحن منه بالمكان الذي يعرف