استقبلت الخرطوم هذا الأسبوع عدداً من كبار الدبلوماسيين من ذوي الصفة العالمية أو الإقليمية، كان على رأسهم خوسيه مانويل باروسو رئيس المفوضية الأوروبية، وكذلك باتريشا سنلي نائبة وزير الخارجية الإيطالي، وعمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية. محور هذه الزيارات يتركز حول إقناع رئيس جمهورية السودان بالعدول عن قراره برفض قوات الأمم المتحدة لمعالجة الأزمة في دارفور، وحتى هذه اللحظة فإن الحصيلة هي تمسك الرئيس السوداني بالرفض. توجه رئيس المفوضية الأوروبية بعد السودان إلى إثيوبيا للوقوف عن كثب على مواقف قيادة الاتحاد الأفريقي التي لها قوة لحفظ السلام في دارفور، وقبل ذلك زار المفوض الأوروبي دارفور ولخص موقف اتحاده بالقول: "إن هناك احتمالاً بأن تفقد الخرطوم بموقفها هذا مكانها على الساحة الدولية، وإن السودان ليس في حاجة ليعود إلى وضعه في عزلة دولية".أما عمرو موسى فلم يتحدث بذلك القدر من الوضوح، ولكن ما عاد هناك شك في أن أغلبية دول الجامعة العربية تريد للسودان أن يغير موقفه حيال قوات الأمم المتحدة. يدور كل هذا الجهد ليرتطم بصخرة الرفض الرسمي من جانب الرئيس عمر البشير، وفي هذا الحين فإن الحالة في دارفور حسب التقارير الصحفية الموثوق بها وحسب ما يردده المبعوثون بكل أنواعهم، تتردى من سيئ إلى أسوأ، ومن أوضح مظاهر التردي أن الجيش السوداني لجأ إلى استخدام طيرانه لقذف القرى التي يقول إن بها خارجين على القانون، ثم إن جبهات القتال تعددت ووصول الإغاثة لمن هم في أمسِّ الحاجة إليها قد توقف تماماً، إلاّ في بعض المدن التي استطاع الفارون من ديارهم الوصول إليها. إن قبول الحكومة السودانية بتدخل قوات الأمم المتحدة إذا قدر له أن يتم وهو أمر ليس بقريب الاحتمال، لن يكون هو الحل النهائي ولن يحسم قضية الاقتتال، ذلك لأن هناك الآن نحو 4 فصائل من حاملي السلاح في دارفور ما زالوا يواصلون قتالهم، لأنهم رفضوا اتفاقية أبوجا التي وقعتها الخرطوم مع فصيل واحد من فصائل دارفور، وحتى هذا الفصيل انسلخ منه بعضهم وانضموا للفصائل الأخرى التي ترى أن "أبوجا" ناقصة ولم تلبِّ مطالب أهل الإقليم وأنه لابد من إعادة النظر فيها أو وضع ملاحق لها تغطي النقص فيها، ونتيجة لكل هذا فإن نقاط الاقتتال في دارفور تعددت وزاد خطرها. اقتتال بين قوات الجيش وبين رجال تلك الفصائل الأربع، واقتتال بين منتسبي الفصيل الذي وقع على الاتفاق مع الخرطوم ومعارضيه من رجال الفصائل، وهكذا إلى ما لا نهاية ما لم تعدل اتفاقية أبوجا التي أنجزت على عجل. إن هذه الفصائل تدعي أنها هي التي تمثل أغلبية أهل دارفور وتقول إن الفصيل الذي وقع لا يمثل إلا جزءاً من قبيلة الزغاوة وأن زعيم الفصيل الذي أصبح مساعداً لرئيس الجمهورية تنفيذاً لاتفاق "أبوجا" هو في حقيقته أقرب إلى الشطر من قبيلة الزغاوة في جمهورية تشاد ومن أفراده رئيس تلك الجمهورية إدريس ديبي. إن هذه الفصائل نشطة في أكثر من مكان في دارفور وقد اتخذ قادتها الذين يتحركون خارج السودان العاصمة الأريترية مركزاً لنشاطهم، وهذا بدوره أحدث نوعاً من التراجع في علاقات الخرطوم وأسمرا التي بدأ تتتحسن في الأسابيع الأخيرة.