نحن اليوم في نهاية الأسبوع الثاني من رمضان شهر القرآن، والذي ندعو الله سبحانه وتعالى أن يوفق جميع المسلمين فيه إلى بلوغ أجره العظيم قولاً وعملاً وسلوكاً، لأنه الشهر الذي يبعث الله فيه في أول ليلة منادياً ينادي إلى ما يحبه الله ويرضاه من عباده. حيث جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صعدت الشياطين ومَرَدة الجن وغلِّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عُتقاء من النار وذلك كل ليلة". وقد خص الله هذا الشهر عن باقي شهور السنة بخصائص عدة: أنزل فيه القرآن وفضله على شهور السنة، وفيه ليلة القدر، وفيه قيد الشيطان، وفيه بشر الصائمين بالجنة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة باباً يقال له الريان لا يدخله إلا الصائمون". لذلك كان السلف الصالح يستعدون له بالعبادة والتقوى والاجتهاد والعمل الصالح قبل أن يأتي بستة شهور، فإذا بلغوه أكثروا من العبادة والاجتهاد وعمل الخير فيه، ولا ينقطع هذا الاجتهاد والتعبد بعد رمضان إلى درجة تحولت معاني هذا الشهر الكريم في حياتهم إلى حياة كاملة يمارسونها طول السنة. إن هذا المنهج وهذا السلوك القرآني العظيم هو سر عظمة الأمة الإسلامية، وهو جوهر عملية التغيير والإنجاز والإبداع، والانتصارات العظيمة التي حققها السلف الصالح في تاريخ الأمة الإسلامية وجعلوا أمتنا في مقدمة الأمم. كانت رسالة القرآن هي المحرك الأساسي لهذه الحالة التي حدثت في تاريخ الأمة والتي جعلت كبار مفكري الغرب يعترفون بمعجزة القرآن، حيث قال الأديب الإنجليزي برناردشو: "إن الغرب سوف يدخل الإسلام عن طريق القرآن الكريم"، وتمنى القائد الفرنسي نابليون بونابرت في كتابه "بونابرت والإسلام"، أن يقيم نظاماً موحداً مبنياً على أسس القرآن الكريم. السؤال المهم هنا: لماذا يعاني المسلمون اليوم من التخلف والضعف وهم يمتلكون أعظم رسالة وأعظم كتاب، وهو القرآن الكريم؟ الإجابة: لأننا هجرنا القرآن، حيث إن واقع المسلمين اليوم مع القرآن مختلف عما كان عليه السلف الصالح، حيث ذكر الإمام أبوعمرو الداني في كتابه "البيان" عن عثمان وابن مسعود رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم العشر من الآيات فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل.. قالوا: فيعلمنا القرآن والعمل جميعاً". وروى عبدالرازق في مصنفه عن أبي عبدالرحمن السلمي قال: كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها. وقد مكث عبدالله بن عمر على سورة البقرة ثماني سنوات يتعلمها. نحن في الحقيقة، لم نحسن التعامل مع رسالة القرآن بصورة صحيحة، كما فعل السلف الصالح. لم نجعله منهج حياة وواقع عمل ملموس في حياتنا وفي جميع مجالات الحياة اليومية. أصبح القرآن في حياتنا مجرد حفظ وتلاوة وترتيل وضبط لمخارج الحروف، لم نعد نتدبر آياته. لم يعد التأمل والفهم والاجتهاد هو الأساس عند قراءة القرآن. أصبح تعاملنا مع القرآن يأخذ طابع الأمية العقلية والتي وصف صورتها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها تعني ذهاب العلم. حيث يروي الإمام أحمد في مسنده عن زياد بن لبيد الأنصاري رضي الله عنه قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال: "وذاك عند ذهاب العلم"، قلنا: يا رسول الله كيف يذهب العلم ونحن قرأنا القرآن ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرئون أبناءهم؟ فقال: "ثكلتك أمك يا ابن لبيد إن كنت لأراك من أفقه رجال المدينة، أو ليست هذه اليهود والنصارى بأيديهم التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء". اكتفينا بمسألة الحفظ والتلاوة والاستماع ولم يعد منهج القرآن الكريم هو الخيار الذي يحرك حياتنا، وهذا ما استنتجه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، في كتابه "كيف نتعامل مع القرآن" عندما قال: بقيت آيات القرآن على أهميتها تتلى للتبرك إلى درجة وصلت عند بعضهم وكأن القرآن كله أصبح كتاباً لفقه آيات الأحكام فقط. حتى الآيات التي وردت لتبين أسباب سقوط الأمم وانهيار الحضارات ليأخذ المسلمون حذرهم، فلا تتسرب إليهم إصابات الأمم السابقة وعللها، جعلوها دليلاً لصحة القياس التشريعي بعيداً عن سياقها الأصلي. لو تدبر المسلمون القرآن تماماً لما حل بهم ما حل من الاستسلام والسقوط والاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي. لو كانوا في مستوى قرآنهم، لكان لهم عاصماً من السقوط الحضاري الذي نعيشه اليوم.