هناك حربان لبوش كانتا قد بدأتا بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تحولتا الآن إلى مشروعين دمويين في العراق وأفغانستان، وغدا من المستحيل كسبهما. هناك حرب ثالثة لبوش وهي تلك التي يشنها على الدستور الأميركي. ويعتمد بوش في كسب تلك الحرب على العادات الأميركية المتمثلة في "انفصام الشخصية" السياسي، ومسايرة السائد، والترويج للخوف. ولكن هذه الحرب تتسم بسمات جديدة وبشعة منها الهوس المرضي بتعذيب الناس، وسجنهم تعسفياً، وبدون محاكمة، والتصميم على أن القوانين العادية وضمانات الحريات التي تنص على عدم القبض على أحد إلا بموجب مذكرة قانونية لا تنطبق على الأشخاص الذين يشكلون خطراً على أميركا. وليس هذا فحسب بل إن حكومة بوش تذهب إلى أن هناك مبررات دستورية تسمح للرئيس بتحدي المحاكم والكونجرس، وتذهب إلى أن دعاوى الرئيس وممارساته تشكل في حد ذاتها سوابق قانونية يجب أن يحتذى بها. بل إننا نجد أن هذه السوابق لم تعد تواجه الآن بأية معارضة فعلية من جانب الكونجرس أو من جانب الصحافة غير الحزبية. ويمكن القول إن هذه الحرب هي الحرب الوحيدة التي يكسبها بوش. وقد استغلت إدارة بوش حالة الطوارئ التي تم فرضها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر كي تقوم بغزو العراق وأفغانستان، وهما الغزوان اللذان ورطا الولايات المتحدة في مواجهة دموية ضد تمردين شرسين أو حربين أهليتين في مجتمعين إسلاميين تكاد لا تعرف أي شيء عن تاريخ كل منهما وحقائقه الاجتماعية والسياسية أو الدوافع التي تحرك شعبه. ويتوقع لهذين الغزوين اللذين بدأتهما الولايات المتحدة بقدر كبير من الاستهتار واللامبالاة، أن يتحولا إلى كارثة وهو الأمر الذي ظللت أحذر منه منذ صيف عام 2003 وحتى الآن. ويمكن تشبيه ذهاب الجيش الأميركي إلى العراق بذهاب جيش صيني لغزو الولايات المتحدة الأميركية زمن الحرب الأهلية للإطاحة بحكومة أبراهام لنكولن، وقمع التمرد والحركة الانفصالية في الجنوب، من أجل القيام بعد ذلك بتطبيق قانون "مانشو" الإمبراطوري الصيني ونظامه الهرمي، وقيمه، في أميركا المضطربة والمقسمة. قد تكون المقارنة غير ملائمة أو بعيدة عن التصديق ولكن درس الفشل الحتمي الذي يمكن توقعه من حمله مثل هذه ليس كذلك. ومع هذا نجد أن هناك شخصيات في الإدارة الأميركية ترى أن المشكلة التي تواجهها أميركا في العراق ترجع إلى طبيعة الشعب العراقي ودوافعه، وأن الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت. وذلك كما يمكن الاستدلال عليه من مغزى الحديث الذي أدلى به القائد العام للقوات الأميركية في الشرق الأوسط "جون أبي زيد" لمحطة "بي بي إس" منذ أيام وقال فيه: "إن مستوى العمل الذي نقوم به في العراق هو مستوى جيلي" أي يحتاج إلى جيل كامل حتى يمكن إنجازه والسؤال الذي لم يطرحه أحد في الإدارة حتى الآن: لماذا يجب أن يكون لدى العراقيين دافع لتنصيب سلطة أجنبية في بلدهم؟ في استطلاع رأي تم حول هذا الموضوع أجرته جامعة ماريلاند في العراق وهو الأخير من سلسلة استطلاعات مماثلة تمت بتكليف من وزارة الخارجية الأميركية تبين أن 6 من بين كل 10 عراقيين يؤيدون شن هجمات على القوات الأميركية في بلدهم وهناك أغلبية أكبر من ذلك (ثلثا من تم استطلاع آرائهم) أعربت عن رأيها بأن القوات الأميركية يجب أن تغادر العراق. هناك سؤال آخر: ما الذي يجعل العراقيين يقومون بقتل بعضهم بعضاً بالإضافة بالطبع إلى قتلهم للأميركيين؟ هناك إجابات مُقنعة عن هذا السؤال منها أنهم يفعلون ذلك بسبب تنازعهم على السلطة، والمصالح الطائفية، والسيطرة على المناطق، ومصادر الثروة، وهي أمور تهم العراقيين ولكنها من حيث الجوهر لا تهم الأميركيين. ومن ضمن التفسيرات التي يمكن تقديمها لذلك الوضع أي قيام العراقيين بقتل بعضهم بعضاً هو ذلك التفسير الذي ربما يكون قد تم التقليل من أهميته وهو تنامي الإحساس بالعدمية وعبثية الحياة لدى العراقيين بسبب ثلاث سنوات من الاحتلال والعنف الدامي، الذي أعقب حكم ديكتاتور قاسٍ، سبقه نظام عقوبات صارم للولايات المتحدة، وقبله حرب ضد القوات الأميركية، وقبل ذلك حرب ضد إيران استمرت لمدة تسع سنوات كاملة ونتجت عنها خسائر عراقية كبيرة في الأرواح. وهذه التفسيرات في الحقيقة تأتي متأخرة جداً بالنسبة لإدارة بوش وبالنسبة للبنتاجون الذي يركز اهتمامه في الوقت الراهن على إنقاذ جيشه من المتطوعين من التعرض لمزيد من التفكك، والمحافظة على استثماراته في المنشآت الأميركية الضخمة في العراق والتي تم إنشاؤها لتحقيق هدف إظهار القوة الأميركية إقليمياً في المستقبل. في عام 2001 أطاحت الولايات المتحدة بحكومة "طالبان" من السلطة لأنها وفرت المأوى والملاذ لأسامة بن لادن، وقامت بدلاً من ذلك بتنصيب تحالف مكون من أمراء الحرب المحليين الذين كانوا قد حكموا البلاد من قبل، ونظمت انتخابات ثم تركت الأمر على ما هو عليه، وذهبت للعراق.. فما الذي حدث؟ الذي حدث هو أن جماعة "طالبان" قد عادت للواجهة الآن.. لماذا؟ يرجع هذا في المقام الأول إلى أن تلك الجماعة الدينية المتشددة التي نشأت في باكستان واستولت على السلطة أفغانستان في إطار الصراع على السلطة الذي نشأ هناك بعد رحيل القوات السوفييتية تظل هي التجسيد الحيوي لهوية إقليم "الباتان". ومن المعروف أن "الباتان" شعب مقاتل نجح في مقاومة الغزو الأجنبي طوال تاريخه ربما منذ فترات تعود لما قبل الأسكندر الأكبر وعلى ما يبدو أن هذا الشعب العنيد مصمم على مواصلة مقاومة الغزو الأجنبي. وطالما أن الأمر كذلك فما هو السبب الذي يجعل الولايات المتحدة تدخل في حرب ضدهم الآن؟ فـ"الباتان" الذين يبلغ عددهم 23 مليون نسمة في باكستان وأفغانستان ليسوا إرهابيين. والعلاقة بين جماعة "طالبان" وبين تنظيم "القاعدة" كانت علاقة إيديولوجيا دينية في المقام الأول. و"طالبان" لم يشكلوا تهديداً للولايات المتحدة، وعودتهم إلى أفغانستان هي ظاهرة سياسية تتصل بعجز النظام الأفغاني عن تأسيس سلطته ومدها فيما وراء العاصمة كابول، كما تتصل أيضاً بإحياء تجارة زهرة الخشخاش. للولايات المتحدة مصلحة في نجاح حكومة حميد كرزاي، ولكن تلك المصلحة يجب ألا تمتد بحيث تشمل الدخول في حرب أهلية أفغانية جديدة بالنيابة ضد حركة "طالبان" التي تمتلك قوة تأثير في صفوف شعب "الباتان". إن الطريقة الوحيدة التي يمكن بها حل مثل هذه الصراعات في العراق وأفغانستان تقوم على الاعتماد على الميكانيزميات الداخلية المتأصلة في التفاوض بشأن تحقيق المصالح العشائرية والتوصل إلى تسويات بين الفرقاء. ودور القوات الأجنبية تاريخياً في أفغانستان كان يبدأ بأن يتم استغلالها من جانب الحلفاء المحليين، ثم تسببها بعد ذلك بإثارة مقاومة عامة، وفي النهاية وكما حدث بالنسبة للروس عام 1988 وللإمبراطورية البريطانية قبلها التعرض للطرد خارج البلاد. والحكمة السياسية عموماً تقول إن الغزاة الأجانب يجب أن يغادروا من تلقاء أنفسهم وبالتفاهم قبل أن يطلب منهم سكان البلاد ذلك. ويليام فاف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"