في معرض سعي وزارة الاقتصاد إلى تأسيس شركة مساهمة لاستيراد الخضراوات والفواكه، أخطأت صحيفة محلية فكتبت في عنوان رئيسي أن هدف الشركة "الاحتكار" بدلاً من "كسر الاحتكار". الصحيفة من جانبها انتبهت سريعاً للخطأ وأشارت إلى الخطأ واعتذرت عنه في العدد ذاته، ولكن العنوان بصيغته الخاطئة قد أثار انتباه البعض ممن رأوا فيه صيغة حقيقية لا تستحق الاعتذار أو التنويه. أول ما يلفت الانتباه في مسألة تأسيس الشركة أن هذه الخطوة تعكس العمل بسياسة ردّ الفعل، وغياب أي رؤية مستقبلية لإدارة الأسواق، فالاحتكار في مجال استيراد الخضراوات والفواكه ليس بالأمر الطارئ على الأسواق المحلية، ومع ذلك لم يتحرّك أحد لتفكيك جبهة المحتكرين وطرح المنافس القوي لهم، سوى بعد أن تجاوزوا الحدود وفاقت ممارساتهم حدود المعقول في الابتزاز والاستغلال والجشع. المهم ألا تكون الشركة المساهمة المزمع إنشاؤها محتكراً جديداً يلعب الدور ذاته بأدوات وآليات مغايرة، ولاسيّما أن تجربة التعاونيات تشير بوضوح إلى أن الجمعيات لا تقوم بما هو متوقع منها في لجم ارتفاع الأسعار، بل تحوّلت إلى منافسة القطاع الخاص على تحقيق أقصى الأرباح وتخلّت عن رسالتها الأساسية في خدمة المجتمع، حيث تشير الأرقام إلى أن الجمعيات التعاونية الاستهلاكية وجمعيات صيادي الأسماك حقّقت عام 2005 أرباحاً بلغت نحو 945 مليون درهم بزيادة قدرها 239 مليون درهم عن عام 2004. الأرقام تشير أيضاً إلى أن هذه الأرباح تخصّ الجمعيات الاستهلاكية في معظمها على اعتبار أن جمعيات صيادي الأسماك السبع لم تحقق من بين هذه الأرباح الضخمة سوى نحو 6.5 مليون درهم، بينما فازت ثلاث جمعيات استهلاكية فقط من بين أكثر من عشرين جمعية تعاونية استهلاكية بنصيب الأسد من هذه الأرباح! لا أحد بالطبع يعترض على تحقيق الأرباح وتوظيفها في تطوير الأداء والارتقاء إلى مستوى المنافسة التجارية الشرسة في السوق المحلية، ولكن المهم ألا يتأتّى ذلك على حساب مصلحة المستهلكين، خصوصاً من جانب قطاع التعاونيات الذي يفترض أن يلعب الدور الأهم في تحقيق استقرار السوق. لا غبار إذاً على إنشاء شركة مساهمة لاستيراد الخضراوات والفاكهة، ولكن المهم ألا نترك لها المجال لتنفرد بالسوق، وأن نلتزم مبدأ المنافسة الحرة سواء بإنشاء شركات أخرى أو بفسح المجال أمام شركات أخرى تعمل في المجال ذاته وتمارس نشاط استيراد الخضراوات والفواكه، كي لا نعالج الخطأ القائم بخطأ آخر ويخرج المستهلكون من دائرة نفوذ بضعة محتكرين ليقعوا بين يدي محتكر واحد حتى لو كان هذا القادم يحمل مسمّى براقاً. بالمناسبة، لماذا لا نشجّع الشباب المواطنين على خوض مجال استيراد السلع والخضراوات والفواكه عبر تكوين شركات مساهمة بدعم من البنوك والجهات الرسمية المعنية التي ينتظر منها تقديم الدعم الفني والإداري لهؤلاء الشباب، وبحيث نحقق أهدافاً عدة في آن واحد منها فتح مجالات العمل أمام الشباب، وأيضاً تحقيق مبدأ المنافسة وحريّة التجارة، فضلاً عن تشجيع الشباب على العمل الخاص والتخلّص من الأفكار النمطية المقولبة عن ارتباط الاستقرار والمستقبل بالعمل الحكومي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.