سنترك جانباً من يعرفون بـ"غلاة الشيعة"، ليس فقط لأنهم قد تجاوزوا حدود التحريف في القرآن، ومنهم من ادعى النبوة وتلقي الوحي، بل أيضاً لأن أئمة الشيعة الكبار قد تبرؤوا منهم، قديماً وحديثاً. سنقتصر إذن على ما ورد في المصادر الشيعية الرسمية. كان من جملة ما نسب إلى الشيعة أنهم صرحوا به ادعاءُ بعضهم بوجود مصحف خاص بهم يسمى "مصحف فاطمة" بنت الرسول عليه الصلاة والسلام. غير أن بعض المراجع الشيعية تنفي أن يكون هذا "المصحف" مصحف قرآن، ويقولون إنه تفسير لبعض الأحكام "أملاه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإمام علي". وفي المقابل تؤكد بعض المراجع الشيعية، كالسيد الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي المتوفى سنة 1320هـ -وهو من علماء النجف- الذي ألف كتاباً بعنوان: "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب"، يؤكد أن القرآن– كما هو في المصحف الذي بين أيدينا- قد زيد فيه ونقص منه. وعندما أنكر عليه بعض علماء الشيعة ذلك رد بكتاب آخر بعنوان: "رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب". وقد أورد هذا العالم الشيعي، الذي بقي يحظى بالاعتبار عند أصحابه، نصوصاً أثبتها في كتابه ذاك على أنها من جملة ما "حذف" من القرآن. من هذه النصوص "سورة" تحمل اسم "سورة الولاية" تقرر أن علياً بن أبي طالب هو الولي بعد النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وأنه الخليفة من بعده. ومن النصوص التي من هذا القبيل ما سمي بـ"سورة النورين". وإلى جانب هذا النوع من "التحريف" الذي ينسب إلى بعض علماء الشيعة والذي يرقى إلى "حذف" سور بكاملها نزلت في علي بن أبي طالب لتؤكد أنه الولي الوصي، وبالتالي الخليفة بعد النبي، هناك أنواع أخرى من "الحذف" يسجلها هؤلاء وتطال اسم علي. وقد ورد ذكرها في "أصول الكافي" للكليني، ومنزلته عند الشيعة منزلة البخاري عند أهل السُّنة. غير أن مراجع شيعية أخرى تنفي أن يكون المقصود من ذكر اسم "علي" في مثل هذه الروايات أنه جزء من نص القرآن، وترى أن المقصود بذلك هو أن المعنى ينصرف إلى عليٍّ، وبالتالي فما ذُكر على أنه محذوف هو "قرآن" على مستوى التأويل وليس على مستوى التنزيل. وقد قال الإمام الخوئي: "إنّ بعض التنزيل كان من قبيل التفسير للقرآن وليس من القرآن نفسه، فلابدّ من حمل هذه الروايات على أنّ ذكر أسماء الأئمّة في التنزيل من هذا القبيل". وبعدُ، فماذا يمكن استخلاصه من هذه الروايات السُّنية والشيعية بخصوص مسألة الزيادة والنقصان في القرآن؟ لنقلْ أولاً فيما ورد في المصادر الشيعية مما ذكرنا أعلاه، فأمره واضح. إنه ينحصر، أو يكاد، في القول بأن ما "ورد في القرآن"، من التنصيص على أن الخليفة بعد النبي عليه الصلاة والسلام هو ابن عمه علي بن أبي طالب، قد "حذف" أو "غيّر" زمن جمْع القرآن. وهذا في الحقيقة لا يمكن التثبت منه خارج المرويات والتأويلات الشيعية، الإسماعيلية منها والإمامية. نعم تذكر المصادر السُّنية أحاديث تنسبها إلى النبي عليه الصلاة والسلام يعتبرها الشيعة من الأدلة التي تثبت أن النبي قد صرح– أو على الأقل- ألمح إلى أن الخليفة من بعده هو ابن عمه علي بن أبي طالب. من ذلك الحديث المعروف بحديث "غدير خمْ"، وقد ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال فيه: "من كنت مولاه فعلي مولاه"، وتقول رواية أخرى إن النبي أضاف: "اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه" (مسند ابن حنبل). وفي البخاري: «قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعليٍّ: أما تَرضى أن تكونَ منِّي بمنزلِةِ هارونَ من موسى"؟ وفي رواية أخرى ذكرها ابن حنبل: قال له النبي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي". لكن المصادر السُّنية تعتبر هذه الأحاديث من قبيل التنويه بمقام علي، وأنها لا تحمل معنى الوصية له. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تشير المرويات السّنية إلى نوع من "الاحتجاج"، من طرف علي وفاطمة والعباس وبعض الهاشميين والمستضعفين، على اختيار أبي بكر خليفة للنبي صلى الله عليه وسلم، وإقصاء علي. وقد لا يشك المرء في كون الهاشميين وكثير من المستضعفين من الصحابة كانوا يميلون إلى تنصيب علي بن أبي طالب خليفة بعد وفاة النبي. غير أن أمور السياسة تسير في الغالب على غير ما تشتهي سفن المستضعفين وأصحاب الحق. وكما يقول ابن خلدون فللعمران البشري طبائع، أي قوانين، تعلو على رغبات الأفراد. ولذلك قررنا منذ أمد بعيد وضع المرويات التي لها مضمون سياسي، سواء كانت أحاديث منسوبة إلى النبي أو غيرها، وضعها بين قوسين. والأحاديث الموضوعة ذات المضمون السياسي أكثر من أن تحصى. وفيما يخص المسألة التي نحن بصددها، نرى أن ما يمكن استخلاصه من الوضع السياسي الداخلي في دولة الرسول عليه الصلاة والسلام، هو ما تفصح عنه مبادرة الأنصار الذين سارعوا مباشرة، بعد الإعلان عن وفاة النبي، إلى عقد اجتماع في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة منهم، ثم التحاق أبي بكر وعمر وبعض كبار المهاجرين بهم، ودفاعهم عن استحقاق المهاجرين لذلك المنصب، الشيء الذي أسفر عن تعيين أبي بكر خليفة للنبي. والمتأمل للكيفية التي مرت بها الأمور بعد ذلك لا يستطيع إلا أن يلحظ أن الفصل في أمر الخلافة، سواء تعلق الأمر بمبايعة أبي بكر أو عمر أو عثمان، كان لميزان القوى ولرجال الدولة. وقد برز ذلك واضحاً في المشاورات التي انتهت بترجيح كفة عثمان على كفة علي. ذلك أن القوة الاجتماعية (العصبية) والمالية والخبرة السياسية، كانت كلها في بني مروان وبني أمية. أما بنو هاشم ومن ارتبط بعلي، كرم الله وجهه، من المستضعفين من الصحابة وغيرهم فلم يكونوا يشكلون قوة قبلية اجتماعية اقتصادية تستطيع أخذ السلطة السياسية بالقوة أو بالتوافق.