ينساب أسطول مكون من 100 قارب صيد، وطوف، وزوارق، فوق صفحة مياه نهر "ويلاميت" أحد روافد نهر "كولومبيا"، في طريقه للرسو على شاطئ متنزه عام في مدينة "بورتلاند" عاصمة ولاية "أوريجون" احتجاجاً على مشروعات التوسع العمراني والترفيهي في حوض نهر كولومبيا، التي تهدد السلمون المتوحش الذي يعد أيقونة هذه المنطقة بالانقراض. وهذه التظاهرة ليست سوى واحدة من التظاهرات المألوفة في هذه المدينة "الخضراء"، التي تمتلك أفضل سجل في المحافظة على البيئة في الولايات المتحدة. بيد أن المشكلة هي أن التقدم والازدهار الاقتصادي في هذه المدينة، يجتذب أعدادا متزايدة من السكان إليها، وهي ظاهرة لا تقتصرعلى هذه المدينة، ولكن على مختلف المدن والولايات الأميركية أيضاً. ويذكر أن الأميركيين قد نجحوا منذ أن وصل عددهم إلى 200 مليون نسمة في تخفيف تأثير الزيادة السكانية على البيئة، حيث قاموا بتقليص الانبعاثات، وحظروا استخدام أنواع معينة من مضادات الآفات الزراعية، وتمكنوا من إنقاذ بعض السلالات الحيوانية والنباتية المعرضة للانقراض. بيد أن الخطر، كما يقول بعض الخبراء، هو أن يكون كل ذلك من قبيل إرجاء يوم الحساب، حيث أن الحقيقة أن مشكلات بيئية لا تزال قائمة كما أن البعض منها يزداد تفاقماً. وفي الحقيقة أن التغيرات السكانية، أي زيادة أو نقص عدد سكان منطقة ما، غالباً ما يكون له تداعيات بيئية. حول هذه النقطة، يقول "فيكي ماركهام" من مركز البيئة والسكان: إن جيل الآباء الحالي الذي يشكل 26 في المئة من إجمالي سكان الولايات المتحدة هو الجيل الأكبر، والأغنى، والأكثر استهلاكاً للموارد، وبالتالي فإنه الجيل الذي لو نظرنا إليه على ضوء معدلات الاستهلاك المرتفعة في الغاية في الولايات المتحدة سنجد أنه الأكثر تهديداً للبيئة. فتفضيل هذا الجيل للمنازل الكبيرة وسيارات الدفع الرباعي يؤدي إلى المزيد من الاستنزاف للموارد المحدودة، كما يؤدي إلى تفاقم التلوث البيئي حسب دراسة حديثة قام بها مركز البيئة والسكان، والتي تشير إلى: أن الأراضي في الولايات المتحدة يتم تحويلها للأغراض التنموية بنسبة تزيد بمقدار الضعف عن نسبة الزيادة السكانية. وأن كل أميركي يُخلّفْ خمسة أرطال من المخلفات يومياً بعد أن كان هذا المعدل هو 3 أرطال في الستينيات. إنه على الرغم من مساحة أميركا الهائلة، فإن ما يزيد عن 50 في المئة من سكانها، يتكدسون في المدن الساحلية، مما يؤدي إلى زيادة الكثافة السكانية في تلك المدن عن المعدل الطبيعي، ومن ثم زيادة نسبة التلوث وتزداد هذه المشكلة تفاقماً في المدن، التي يتم فيها تحويل مساحات متزايدة من الأراضي لأغراض غير زراعية عقارية غالباً. ولكن التاريخ الأميركي القريب يشير إلى أن هناك أسباباً تدعو للتفاؤل وعدم فقدان الأمل. فليس من قبيل الصدفة أن نعرف مثلاً أن الحركة البيئية الحديثة قد تزامنت في نشأتها مع الفترة التي اجتاز فيها عدد سكان الولايات المتحدة حاجز الـ 200 مليون نسمة منذ 39 عاماً . وكما يقول "ستيف جونسون" مدير وكالة حماية البيئة في كلمة له في مايو الماضي: إذا ما تذكرنا كيف كان الوضع، والجهود التي قمنا بها، فسنتوصل إلى أن هواءنا قد أصبح أنظف، وأن مياهنا قد أصبحت أنقى، وأن أراضينا قد أصبحت محمية بشكل أفضل". ومعظم مظاهر التحسن التي يتحدث عنها السيد "جونسون" ترجع إلى فعالية القوانين البيئية الرائدة، التي تم سنها مثل قانون المياه النظيفة، وقانون الهواء النظيف، وقانون حماية الأجناس المهددة بالانقراض، وقانون التحكم في المواد السامة. وهناك جهود ومبادرات تقوم بها المشروعات الخاصة في مجال حماية البيئة -حيث لا يقتصر الأمر في ذلك على الجهات الحكومية. ففي العدد الحالي من مجلة "أتلانتيك مانثلي" نقرأ خبرا عن أن شركة "ويارهاوزر"- وهي شركة كانت تخوض في الماضي معارك شرسة ضد منظمات ووكالات حماية البيئة في الولايات المتحدة الأميركية بشأن تجريف الغابات- قد تعهدت بتقليل انبعاثاتها الغازية بنسبة 40 في المئة بحلول عام 2020 مقارنة بما كانت عليه عام 2000. وشركة "ويارهاوزر" هي شركة ضمن 41 شركة أخرى ذات عضوية في المجلس المعروف باسم" مجلس القيادة البيئية لمشروعات الأعمال" الذي يضم بعضا من كبريات الشركات الأميركية من أبرزها شركة "بوينج" و"دوبونت"، و" هيولت باكارد" و" إنتل" و" لوكهيد مارتن"، ويركز هذا المجلس على الخطوات العملية لتقليص الإحماء الحراري العالمي. وهناك أيضاً جماعات دينية تشمل "محافظين إنجيليين" تقوم بأنشطة في مجال حماية البيئة من خلال تكوين اتحاد ومجالس مثل "مجلس الشراكة الدينية من أجل حماية البيئة" كما تقوم بتوزيع كتيبات ومنشورات ومحاضرات عن البيئة على المترددين على الكنائس، بالإضافة إلى تنظيم أنشطة وفعاليات مثل" يوم الأرض" وغيره من المناسبات في الأبرشيات والكنائس. كل هذه الجهود تضاف بالطبع إلى الجهود التي تبذلها الحكومات المحلية والحكومة الفيدرالية لحماية البيئة من طغيان سكان يزدادون عدداً وثراء واستهلاكاً. هذه الجهود جميعها بعثت الكثيرين على التفاؤل. في هذا السياق يقول "ويليام فري" الخبير السكاني في جامعة ميتشجن، ومعهد بروكنجز في واشنطن: "نحن دولة كبيرة سواء من ناحية الأرض أو المساحة الشاسعة، وأنا لا أتفق مع هؤلاء الذين يذهبون للقول بأن مصادر الطاقة الموجودة لدينا ستنضب، وأن مياهنا ستجف، وأن مواردنا الطبيعية ستتآكل، لأنهم ينسون تماماً أن الزمن والتقنية قد أثبتا أكثر من مرة في الماضي قدرة على التغلب على المشكلات التي تواجهنا في مجال البيئة. براد نيكر بوكر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"