ظاهرة غريبة تتكرر كل عام في الشهر الكريم دون توقف ودون تساؤل ودون استدراك. وهي ظاهرة إلغاء الصفحات الثقافية والسياسية في الصحف اليومية، سواء صحف الحكومة أو صحف المعارضة، ووضع بدلاً منها صفحات الفكر الديني. وبدلاً من المقالات الثقافية ومقالات التحليل السياسي توضع صور مآذن المساجد وجداول إمساكية رمضان والحديث عن الصيام كركن رابع من أركان الإسلام الخمسة، مع صور ملونة وعيون جاحظة، ووجوه مبتهلة، وسماء مرصَّعة بالنجوم. وتكرر ما تفعله كل عام بالحديث عن مفطرات الصوم وآدابه، وكيفية أداء شعائره وعاداته كالتراويح، وليلة القدر، وختم القرآن، والاعتكاف في العشر الأواخر منه، وإضاءة المصابيح وإنارة المآذن، وتعليق الفوانيس، وزيارة الأقارب في أوله، وزيارة المقابر في آخره مع الاحتفال بالعيد ووضع الزهور عليها، والترحم على الموتى، وتوزيع الرحمة، وقراءة القرآن، لا فرق بين الزيارة الشرعية والعادات الشعبية. وقد تتطرق صفحات الفكر الديني إلى مأكولات رمضان ومشروباته، ما يضر منها وما ينفع، "قمر الدين"، و"الكنافة" و"القطايف" والبلح و"الخشاف" والمكسرات التي يكلف استيرادها أضعاف استهلاك الشهور العادية. والسؤال هو: هل تحويل الصفحات الثقافية والتحليل السياسي إلى صفحات للفكر الديني في المناسبات على هذا النحو هو من جوهر الدين أم من مظاهره؟ هل الدين هو رموزه وشعائره وطقوسه وعبادته كما يرى الفقهاء أم معانيه ومقاصده ودلالاته كما يحاول الصوفية وهم أقرب إلى الحديث النبوي؟ فكم من الصائمين لم ينلهم من الصيام إلا الجوع والعطش لأنهم لم يتمثلوا معانيه مثل قوة الإرادة، وتحمّل الجوع والعطش، والكف عن الأذى، وتقوى الله في المعاملات، والتراحم، وزيارة الأقارب، ومشاركة الفقراء في همومهم، وتلبية حاجاتهم. فللفقراء حق في أموال الأغنياء (في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)، و"ليس منا من بات شبعان وجاره طاوٍ". والأدبيات كثيرة عن حكمة الصوم والإسلام والاشتراكية في الستينيات. الدين سلوك رمزي، لذلك سميت العبادات الشعائر والطقوس، وللرموز معانٍ ودلالات في الحياة ومؤشر على السلوك فيها. الدين وسيلة لإسعاد البشر وتحقيق الكمال على الأرض وإرشاد للإنسان في حياته اليومية وليس غاية في ذاته وإلا تحول إلى صور وأشكال ورسوم وكهنوت. وهو مصير كل دين قِبل حركات الإصلاح فيه. حدث ذلك في بعض الديانات الشرقية مثل الهندوكية والديانات الأفريقية مثل "الفيتشية"، تقديس الأشياء في الطبيعة. وهو ما يميز الديانات "البدائية" كما يصف الأنثروبولوجيون. وقد كان ذلك مصير اليهودية أيضاً على يد الأحبار والكهان ورؤساء المعابد. فجاء المسيح ليحيلها إلى مضمون أخلاقي روحي لإكمال الشريعة من جانبها الباطني وليس الخارجي. ثم جاء الإسلام ليؤكد على ما أكد عليه المسيح (ليس البر أن تولوا وجوهكم قِبل المشرق والمغرب)، وأن الرسول قد بُعث ليُتمِّم مكارم الأخلاق. الدين ما يتعلق بحياة الناس. فخيركم للناس أنفعكم للناس. والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. ولو عثرت بغلة في العراق لسئل عنها عمر لماذا لم يسوِّ لها الطريق. وكانت غزوة بدر في رمضان، وحرب أكتوبر 1973 في رمضان. رمضان شهر الإنفاق والبذل وزكاة الفطر، والتراحم والتزاوُر والتصالح. فلا يجوز خصام الأخ لأخيه أكثر من ثلاثة أيام. والأحزاب تتخاصم، والحكومة والمعارضة تتنافران، والمصالح الشخصية تفرِّق الناس ولا تجمعُهم. والصيام حد من الاستهلاك وليس مضاعفته. وقد لا يطعَم الفقراء والمساكين اللحم طيلة العام إلا على موائد الرحمن. الثقافة جزء من الدين. إذ يحثّ الدين على إعمال الفكر، وتحكيم العقل، والاعتماد على النظر. فالنظر أول الواجبات. والعقل مَناط التكليف. والاجتهاد أحد مصادر التشريع. أتى الإسلام لتحرير العقل من الخرافة والوهم. ودعا القرآن للتفكر والنظر. وفي الحديث القدسي "أول ما خلق الله خلق العقل. فقال له: أدبر فأدبر، وعزتي وجلالي ما خلقت إليَّ أعز منك". أتى الإسلام لتنوير العقول، وإثارة الأذهان، وطلب البرهان (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين). ولا يوجد دين تحول إلى ثقافة وحضارة كالدين الإسلامي. فتعلم القراءة والكتابة يحرر العبد، والقضاء على الأمية جوهر الدين وهدفه الأقصى على عكس ما هو قائم حالياً من أن أكثر من نصف المجتمع مازال أمياً. وانخفاض مستوى التعليم يجعل الأمية مزدوجة، أمية القراءة وأمية الوعي الثقافي. وترجم القدماء ثقافات اليونان والرومان غرباً، وفارس والهند شرقاً. وعظموا الثقافات المجاورة. عرضوها وأكملوها وأبدعوا فيها. وتحولت بلاطات الخلفاء إلى نقاشات ثقافية حول المسائل الإيمانية الكبرى، وجود الله وخلق العالم وخلود النفس، وشارك فيها المسلم والنصراني واليهودي والمجوسي والصابئي والوثني والزرادشتي والهندوسي والمانوي والمُلحد والكافر على قدم سواء. وانتشرت الثقافة الإسلامية شرقاً إلى آسيا وغرباً إلى أوروبا عبر الترجمة إلى اللاتينية مباشرة أو عن طريق العبرية. ونشأت الثقافة العقلانية في العصر الوسيط المتأخر تحت أثر الثقافة الإسلامية. وانتشرت الرشدية اللاتينية في قلب الثقافة المسيحية لتحكيم العقل في قواعد الإيمان. فانتهى العقلانيون إلى التوحيد والتنزيه. وفي القرنين الأخيرين، عندما اتصل علماء الأزهر بالغرب مثل رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وابن أبي ضياف، انفتحوا ثقافياً على الآخر. وظهرت تيارات الإصلاح في العالم الإسلامي بفضل الانفتاح الثقافي على الغير. وقامت حركات النهضة بكل تياراتها الليبرالية والعلمية والتحديثية والقومية بفضل التفاعل الحضاري مع الآخر. فالدين ثقافة وحضارة. ودخل الإسلام في معركة صِدام الحضارات لتحويلها إلى حوار الثقافات. وقد دعا الكندي أول فلاسفة الإسلام سابقاً إلى أخذ الحكمة حتى من الأمم البعيدة القاصية عنا. فكل إنسان يشرِّفه الحق. "اطلبوا العلم ولو في الصين". فالثقافة دين والدين ثقافة. ومن ثم فإن تحويل الصفحات الثقافية إلى صفحات للفكر الديني خروج عن مقصد الدين وتحويله إلى عالم منفصل عن عالم الحياة. وإلغاء صفحات التحليل السياسي أيضاً لصالح الفكر الديني في رمضان تملُّق لأذواق الجماهير، ولعب بالعواطف الدينية، وفرصة ذهبية للتعتيم السياسي، والتخلص من هم طالما ضايق الحكام بتنوير المحكومين ومعرفة حقوقهم لاستردادها. أتى الدين لتغيير الأمر الواقع. وقاوم الأنبياءُ عيوبَ أقوامهم، تسلط فرعون، والشذوذ الجنسي عند قوم لوط، وصورية الشريعة عند اليهود، وعبادة الأوثان عند قوم إبراهيم، والدعوة إلى المساواة بين عبيد مكة وسادتها، بين عامتها وأشرافها، بين سودها وبيضها، بين فقرائها وأغنيائها. وجعل من مبادئه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم. وجعل الحُسبة الوظيفة الرئيسية للحكومة الإسلامية، أي الرقابة على الأسواق وجهاز الدولة كما تفعل الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة الآن. وأعظم شهادة قولة حق في وجه حاكم ظالم، ومن مات دفاعاً عن عِرضه وماله فهو شهيد، وأسس الأحكام السلطانية، ووضع السياسة الشرعية. فالنقد الاجتماعي جزء من الإسلام، وتطبيق الشريعة أساسه وجوهره. فالسياسة دين، والدين سياسة. فكيف تلغى صفحات التحليل السياسي في رمضان لحساب الفكر الديني؟ يُخشى أن يتحول الدين، لدى البعض، في شهر رمضان إلى كهنوت وعزلة عن الحياة الثقافية والسياسية. كما يُخشى أن يتحول الدين عن مقاصده من خلال التركيز في شهر رمضان على العادات الاجتماعية التي لصقت بالدين وهي وافدة من خارجه خاصة من عصر الفاطميين لإلهاء الناس بالدين الشعبي عن المقاصد الاجتماعية. لذلك تساند الدولة مظاهر التدين في رمضان في أجهزة الإعلام الرسمية المرئية والمسموعة والمقروءة. وفي نفس الوقت تلهي الناس بالمسلسلات التليفزيونية والبرامج الترفيهية وفوازير رمضان.