أحياناً يأتي الرجل المناسب في الوقت والمكان المناسبين، مسلحاً بالوسائل الضرورية للقيام بما يجب. والكتاب الذي نعرضه في هذه المساحة للمعلق والصحفي الأميركي فرانك ريتش والمعنون "أعظم قصة روجت: انهيار وسقوط الحقيقة من 11/9 إلى كاترينا"، هو تجسيد صادق لواحدة من اللحظات القليلة التي يأتي فيه الرجل المناسب في الوقت المناسب وينجح في القيام بالمهمة. فالمؤلف يوظف مهارته كصحفي مخضرم يكتب في كبرى الصحف الأميركية، وعلى دراية واسعة بالثقافة الشعبية، للغوص في كوامن صناعة السياسة الأميركية وترويجها إعلامياً. وبهذا المعنى يتحول الكتاب إلى عرض تحليلي لبعض مظاهر الحياة السياسية في أميركا، لاسيما الطريقة التي يعتمد عليها السياسيون في تزييف الوقائع لتظهر للشعب الأميركي على غير طبيعتها ويسهل تصديقها والأخذ بها. ولتأكيد وجهة نظره لا يتوانى المؤلف في ربط جميع الخيوط في بوتقة واحدة مستفيداً من معطيات الثقافة الأميركية والروايات الشعبية والدراسات الأكاديمية الرصينة التي تساهم في كشف الألاعيب التي يلجأ إليها رجال السياسة الأميركيون للدفع بأجنداتهم وحشد التأييد لها حتى في ظل عدم شعبيتها. ونظراً للخلفية الثقافية التي يمتاح منها المؤلف واطلاعه الواسع على الساحة الإعلامية الأميركية، ليس فقط كمراسل وصحفي، بل أيضاً كصاحب تجربة في المسرح والسينما، ومن ثم لم يكن غريباً أن يصور المعترك السياسي الأميركي على أنه مسرح كبير تتم فيه صناعة الصورة والخطاب وبلورة واقع محايث ليس بالضرورة الواقع المعطى. وفي ظل هذا الوضع تضيع الحقيقة بعد أن تذوب الحدود بين الصدق والكذب، وتتحول السياسة إلى حملة علاقات عامة أكثر منها ممارسة لإدارة الشأن العام، أو "فن الممكن" كما عرفها المفكرون السياسيون. وهكذا انتهى الأمر بالسياسة في أميركا، على حد قول المؤلف، إلى فن تحويل المستحيل إلى ممكن وقلب الحقائق لتصبح مستساغة ومقبولة لدى الشارع الأميركي. وإذا كان الرئيس الأميركي السابق جون كينيدي قال مرة "إنك تستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت، وكل الناس بعض الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت"، فإن كتاب فرانك ريتش جاء ليثبت أن هناك بعض السياسيين الذين لا يتورعون عن خداع جميع الأميركيين في كل اللحظات، دون وازع، همهم الوحيد تمرير أجندتهم السياسية. ولعله من المفاهيم التي يطرحها المؤلف في الكتاب، كأداة تحليلية تكشف النقاب عن أحابيل السياسة الأميركية، هناك ما يطلق عليه "حالة الحقيقة" التي تختلف عن الحقيقة نفسها وتجتاح العقل السياسي الأميركي بكل أطيافه. والمفهوم يحيل إلى تلك الحالة التي لا يهم فيها قول الحقيقة، أو ما إذا كان تصريح ما صادقاً أم لا، بقدر ما تهم "القدرة على الترويج لقصة ما وبيعها للجمهور على أنها حقيقية، لاسيما على شاشة التلفزيون". وهو المفهوم نفسه الذي اعتمد عليه الرئيس جورج بوش وأركان إدارته لإقناع الرأي العام الأميركي بتأييد الحرب على العراق، حيث تم تحويل انتباه الأميركيين عن الخطر الحقيقي الكامن في تنظيم "القاعدة" عن طريق الربط بينه وبين نظام صدام حسين. ورغم أن التحليل المتأني يستبعد وجود صلات بين الطرفين بسبب الاختلاف الأيديولوجي، فإن الظهور المتوالي للساسة الأميركيين على التلفزيون وعزفهم على وتر الإرهاب وأحداث 11 سبتمبر، جعل الرأي العام ينساق وراء الرواية الرسمية دون تمحيص. المؤلف يشير أيضاً إلى مرافعة وزير الخارجية كولن باول في مجلس الأمن محاولاً إقناع أعضائه بصدق مزاعم إدارة بوش بشأن أسلحة الدمار الشامل. ويصب المؤلف انتقاداته على بعض رموز الإدارة الأميركية من "المحافظين الجدد" الذين استغلوا التطور الكبير في وسائل الاتصال ووظفوا التلفزيون لبث أفكارهم مستعملين لغة عاطفية لاستمالة الأميركيين. وهو يخص تحديداً مساعد الرئيس بوش ومدير حملته الانتخابية كارل روف بانتقاد لاذع بسبب الأكاذيب التي حاكها كمشرف على حملة العلاقات العامة التي روجت لبوش في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ويتذكر المؤلف كيف تمت إزاحة القضايا الأساسية التي تهم المواطن الأميركي مثل تعميم التغطية الصحية، ومسألة توفير الوظائف... وتم التركيز بدلاً من ذلك على موضوع الأمن القومي ليصبح الرأي العام مهجوساً بأمنه ومصدِّقاً للمزاعم التي ساعد "روف" إلى ترويجها، ومنها أن بوش أفضل من يحمي الولايات المتحدة في وجه هجوم إرهابي مقبل. غير أن ريتش، وهو يكشف عن خداع الساسة، لم تفته الإشارة إلى الأخطار المترتبة على ذلك، حيث إن الأمر يتخطى مجرد محاولة تسويق سياسة معينة في أوساط الأميركيين، بل يتعلق بتشتيت الانتباه عن التهديدات الحقيقية. وفي هذا الإطار يسوق المؤلف مثال الحرب في العراق التي روج لها باعتبارها جزءاً من حرب بوش العالمية ضد الإرهاب، في حين أن الرابح الأول من حرب العراق هو الإرهاب نفسه الذي أصبح أكثر انتشاراً من ذي قبل. ويرجع المؤلف سيادة الكذب والتدليس، أو ما يسميه "حالة الحقيقة"، ليس فقط إلى إدارة الرئيس بوش، بل أيضاً إلى إدارة سلفه بيل كلينتون، لاسيما وأنهما ينتميان إلى الجيل نفسه من السياسيين الأميركيين الذين ولدوا في مرحلة الخمسينيات إبان الطفرة الديموغرافية وشبوا على قيم تمجد النجاح الشخصي على حساب الآخر. هذا النوع من الأنانية متأصل في الثقافة الأميركية التي تُقسم المواطنين إلى ناجحين يُحتفى بهم وفاشلين يلاقون التهميش، لذا فإن السياسي باعتباره ابنا لبيئته يؤثر ويتأثر بها وتنعكس على سلوكه، فهو يسعى إلى تحقيق النجاح حتى ولو اتبع طرق الكذب والخديعة التي باتت تبرر الوصول إلى القمة! زهير الكساب الكتاب: أعظم قصة رُوجت: انهيار وسقوط الحقيقة من 11/9 إلى كاترينا المؤلف: فرانك ريتش الناشر: بينوجوين بريس تاريخ النشر: 2006 The Greatest Story Ever Sold: The Decline and Fall of Truth from 9/11 to Katrina