من الذي سيكسب المعركة السياسية في الولايات المتحدة بشأن الحرب على الإرهاب... هل هو بيل كلينتون أم جورج بوش أم السيناتور هيلاري رودهام كلينتون؟ لمعرفة الإجابة، قد يكون من الأفضل أن نعود لقراءة ما كتبه جورج أورويل في روايته المشهورة "1984" والتي يقول فيها: "إن الذي يتحكم في الماضي يستطيع أن يتحكم في المستقبل"، وهو يقصد القول إن ذكرى الأحداث الماضية هي التي تشكل فهم البشر للمستقبل... وهو ما يعني بالنسبة لموضوعنا أن بيل كلينتون لو تمكن من إقناع الأميركيين بأنه أبلى بلاء حسناً في محاربة الإرهاب خلال رئاسته، فإن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أن يقوم الناخبون باختيار زوجته التي يمكن الاعتماد على أنها هي الأخرى ستبلي بلاء حسناً في مقاومة الإرهاب في المستقبل. وإذا ما تمكن كلينتون وزوجته من إثبات أن أداء بوش في الحرب ضد الإرهاب مخيب للآمال فإن ذلك سيدعم موقفهما أكثر. هذا فيما يتعلق برؤية أورويل، فماذا عن حقائق الواقع؟ حقائق الواقع بالنسبة لرئاسة كلينتون ذات شقين: أولهما أن أميركا في عهده شهدت ثماني سنوات من الازدهار كما لم تشهد حروباً خارجية ذات شأن. أما الشق الثاني فهو أن أسامة بن لادن و"القاعدة" قد اكتسبا زخماً خلال تلك السنوات لأنها كانت سنوات من الأمان الزائف قبل أن نستيقظ بعنف على كارثة الحادي عشر من سبتمبر. وإذا ما نظرنا إلى الأمر من هذا المنظور فإن رئاسة كلينتون لن تبدو جيدة إذا تأملناها بأثر رجعي... كما أن سنوات هيلاري كلينتون إذا ما قدر لها أن تصبح رئيسة لن تكون جيدة إذا ما نظرنا إليها من منظور تنبئي. لذلك يمكن القول إن أمام كلينتون الكثير مما يتوجب عليه أن يقوم به، سواء من أجل نفسه أو من أجل زوجته. وهو قد قام بجزء من ذلك في المقابلة التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة النطاق والتي أجراها مع "كريس والاس" في برنامج " فوكس نيوز صنداي" والتي دافع خلالها الرئيس السابق عن سجله المضاد للإرهاب، وفعل ذلك بكفاءة إلى درجة أن رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية هوارد دين أدلى بتصريح أثنى فيه على كلينتون لقيامه "بالتصدي لآلة الدعاية الإعلامية للجناح اليميني". ولو ألقينا بنظرة على نص ذلك اللقاء لأدركنا أن كلينتون المحنك قد نصب كميناً لوالاس وأن الأخير قد وقع فيه. فمذيع فوكس نيوز الدمث الطباع بدأ اللقاء بحديث مهذب عن الجهود الخيرية التي قام بها كلينتون عقب خروجه من الرئاسة، لم يحاول خلالها التلميح إلى أن الرئيس السابق ربما كان يقوم بهذه الجهود لتطهير سمعته التي شابتها الكثير من الوصمات، وإنما اكتفى في نهايته بتوجيه سؤال محايد له وهو: ما الذي دفعك لتركيز جهودك الخيرية على البلدان النامية؟ ولم يتحول والاس إلى موضوع الإرهاب إلا بعد ذلك بفترة... وعندما بدأ ذلك فإن كلينتون دار في مقعده بطريقة مسرحية، ليقول لوالاس إنه قد اتفق معه على أن تكون المقابلة عن الحاضر وليس عن الماضي. وفي الحقيقة أن كلينتون قال ذلك ولكنه رحب في قرارة نفسه بتطرق والاس لهذا الموضوع. وعلى ما يبدو أيضاً، فإنه كان قد أعد نفسه له جيداً بدليل أنه كان مزوداً بحقائق وأرقام ونقاط انتقادية سرعان ما شمر عن ساعده وبدأ في تلاوتها للنيل من إدارة بوش. من الجلي أن كلينتون كان قد حضر إلى المقابلة بعد أن أعد نفسه جيداً لشن حملة تقريع ضد الحزب الجمهوري، واثقاً من أن آلة الدعاية الليبرالية مستعدة لدعم أي شيء يقوله. وليس هناك شك في أن هذا الحماس اليساري الهوى سيكون جيداً لذكرى رئاسة كلينتون، كما أنه سيكون جيداً أيضا للذكرى المستقبلية لرئيسة أخرى من آل كلينتون وهي زوجته هيلاري. ووسط هذا كله يقف الرجل الذي يقود الحرب ضد الإرهاب، وهو جورج بوش، حائراً لأنه لا يمتلك براعة أورويليه" (نسبة إلى جورج أورويل) مثل بيل كلينتون، كي يخطط لما يقوم به، كما يبدو واضحاً أمامنا.