تم فتح باب الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي أمام كل من رومانيا وبلغاريا وإغلاقه أمام باقي المرشحين في المدى المنظور على الأقل. والبيان الذي قال فيه رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروسو إن رومانيا وبلغاريا المقرر ضمهما إلى الاتحاد في الأول من يناير 2007، ستكونان آخر الدول الجديدة المنضمة، حتى يتم إجراء إصلاحات مؤسسية ودستورية، هو نتيجة متوقعة بعد الرفض الفرنسي ومن بعده الهولندي للاتفاقية الدستورية الأوروبية العام الماضي. وما يقوله رئيس المفوضية الأوروبية الآن، وهو أن العدد كامل في الاتحاد الأوروبي، كان أمراً واضحاً للعيان لبعض الوقت بالنسبة للجميع، ربما باستثناء بعض موظفي المفوضية الذين لم يدركوا أن حسن نيتهم، ورغبتهم في إنقاذ دول حلف "وارسو" السابقة من البؤس الذي عاشته في ظل الشيوعية، وضمها للاتحاد الأوروبي، غير قابلين للترجمة بسهولة في الواقع العملي. لقد ظن هؤلاء المسؤولون والساسة أن توسيع الاتحاد ليشمل كامل حدود أوروبا وإلى ما وراء البوسفور إلى تركيا، وإلى دول البلطيق مثل أوكرانيا، وربما إلى روسيا ذاتها وإسرائيل، بل وبعض الدول الإسلامية الواقعة على حافة البحر الأبيض المتوسط... هو ما يجب أن تقوم به أوروبا حتى تتمكن من المساعدة في تحقيق طموح جورج بوش في تحرير العالم. وكان هناك اعتقاد مؤداه أنه بمجرد انضمام دولة من الدول للاتحاد الأوروبي فإن ذلك سيكون كفيلاً بتغيير شخصيتها وسلوكها وعقليتها، بالإضافة بالطبع إلى اقتصادها وطريقة حكمها. كان هذا هو الاعتقاد السائد عندما كان روبرت كاجان المنتمي إلى تيار المحافظين الجدد في أميركا يكتب قائلاً إن الولايات المتحدة هي "مارس" الذي يعني كوكب المريخ أو إله الحرب أو "إسبرطة" التي تحارب قوى الظلام من أجل تمكين أوروبا "كوكب الزهرة" من بناء جنة يسودها السلام والرخاء. في عام 2002 بدت هذه الجنة قريبة المنال، وذلك لأن الأوروبيين قد أحبوا ما كان يقوله كاجان وصدقوا الجزء الثاني منه على الأقل وإن تغاضوا عن الجزء الأول، وهو أن الأميركيين كانوا هم الذين سينقذونهم "ينقذونهم من ماذا؟" ويعتبرونه مزيجاً من البارانويا وجنون العظمة. كان تفاؤل أوروبا هذا وثقتها قد تأسسا قبل هجمات 11 سبتمبر وما لحقها من تلك الهستيريا المتعلقة بالحرب على الإرهاب، بل إنهما كانا قد تأسسا أيضاً، قبل أن تكتشف أوروبا الأبعاد الحقيقية لأزمتها الناتجة عن فشلها في استيعاب المهاجرين، ما أدى إلى شعور هؤلاء بالإقصاء والتهميش، واتخاذهم لمواقف مضادة وصلت في بعض البلدان إلى حد تبني خيار الإرهاب. لم يكن أحد في أوروبا الغربية عام 2002 يعتقد للحظة أنه بعد أربع سنوات سيصبح المهاجرون المسلمون الراديكاليون قوة سياسية من قوى التيار الرئيسي في مجتمعات مثل هولندا والدانمرك. والآن فإن هناك سؤالاً يتردد في "أوروبا القديمة"، وأيضاً في البلدان التي تشكل الأعضاء "الجدد" في الاتحاد، والواقعة وسط وشرق أوروبا وفي منطقة البلطيق، مؤداه: هل كانت سياسة توسع الاتحاد الأوروبي سياسة خاطئة؟ مبعث هذا السؤال ليس الهجرة لأن المهاجرين الذين يمثلون مشكلة في دول أوروبا الغربية جميعهم تقريباً ليسوا من الأوروبيين، ويختلفون عن باقي شعوب تلك الدول في الثقافة واللغة مما يجعل مسألة استيعابهم وإدماجهم فيها صعباً للغاية. فالمهاجرون الاقتصاديون لأوروبا الجديدة "السباكون البولنديون" والذين يفترض أنهم يزاحمون سكان البلدان الأصليين على الوظائف، هم مهاجرون مطلوبون للغاية فضلاً عن أن الكثيرين منهم مثقفون ومتعلمون تعليماً عالياً. وعلاوة على ذلك فإن المساعدات التنموية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لدولهم على الأقل من خلال تشغيلهم في دول الاتحاد، سيكون لها تأثير اقتصادي فعال على دولهم، كما حدث من قبل بالنسبة لدول أخرى كاليونان وأسبابنا والبرتغال وأيرلندا، عندما انضمت إلى الاتحاد. إن السبب الذي يدعو لإغلاق باب الاتحاد في الوقت الراهن هو سبب ثقافي، وإلى حد ما سياسي. فالبعض في الدول الجديدة يخشون ربما من أن يكون "الأوروبيون القدامى" منزعجين من التيارات الشعبوية الصاعدة الآن في بولندا وسلوفاكيا والمجر... أو منزعجين من اللامبالاة والنفعية اللتين يتصف بهما بعض القادة الجدد في تلك الدول والذين قادوا عقب سقوط الشيوعية أنظمة عملت على نهب بلدانها. وفي الواقع فإن خشية هؤلاء في محلها، وهذا هو ما يفسر جزئياً التردد الذي حدث بشأن السماح لرومانيا وبلغاريا بالانضمام للاتحاد الأوروبي. بيد أن ما يتعين قوله مع ذلك هو أن مثل هذه المشاكل مآلها الزوال في نهاية المطاف، علاوة على أن عدد السكان والاقتصاديات المعنية -باستثناء رومانيا وبولندا- هي اقتصادات صغيرة نسبياً كما أن الدول ذاتها صغيرة. أما التوسع في العالم الإسلامي فهو مسألة مختلفة تمام الاختلاف عن ذلك، وهو ما دعا إلى تأجيل البحث عن هذا الموضوع مرة ثانية بأسلوب لبق. أما بالنسبة لأوكرانيا وروسيا البيضاء فإن الدولتين تقعان في منطقة كانت تقليدياً منطقة نفوذ ومصالح روسية، كما أنهما ممزقتان ثقافياً بين روسيا من جهة وأوروبا من جهة ثانية، وهو ما يعني أن اندماجهما في الاتحاد الأوروبي سيخلق لهما -وللاتحاد الأوروبي وروسيا بالتالي- مشاكل جديدة وخطيرة دون أن يحل أي مشكلة من مشكلاتهما القائمة. و"الوقفة" التي دعا إليها "باروسو" تعتبر ضرورية، لأن الاتحاد الأوروبي بصورته الحالية يجب أن يقرر الكيفية التي ستصبح بها أوروبا لاعباً رئيسياً في الشؤون الدولية. فالاتحاد الذي يضم في عضويته 27 دولة ليس في مقدوره أن يفعل ما هو أكثر من منح أي دولة دعماً في المسائل التي يحدث توافق وإجماع بشأنها من المجتمع الليبرالي الدولي. ولكن هذا الأمر لن يرضي القوى الأوروبية الغربية التي اعتادت على لعب أدوار دولية كبيرة قد تتفق مع الإجماع الليبرالي الدولي وقد لا تتفق. سيكون من المعقول أن نفترض في هذا السياق أن كل حكومة من حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد ستسعى إلى أن تصبح لاعباً أكثر أهمية في الشؤون الدولية. ولكن نظراً لأن اتحاداً مكوناً من 27 دولة لن يكون قادراً على العمل الموحد والمنظم، فلن يكون أمام هذه الدول من بديل سوى العمل من خلال تحالف الراغبين وفقاً لحاجتها وطموحها. والمفاوضات النووية التي تجريها الدول الأوروبية مع إيران، والقيادة الأوروبية فيما يتعلق بمبادرة الأمم المتحدة الخاصة بلبنان -كلاهما تتمان خارج نطاق الاتحاد الأوروبي- توفران سابقة في هذا المجال... كما أنهما تؤكدان في الوقت ذاته أن التوسع في الاتحاد الأوروبي قد أدى إلى تقليل -وليس زيادة- وزن الاتحاد الأوروبي في الشؤون الدولية. ويليام فاف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"