يعتبر الكبد ضمن مجموعة الأعضاء الحيوية، وهي الأعضاء الضرورية للبقاء على قيد الحياة. فهذا العضو المعجزة، والذي يتراوح وزنه ما بين كيلوجرام واحد وثلاثة كيلوجرامات لدى البالغين، يلعب دوراً محورياً في استمرار الحياة، من خلال طائفة واسعة من الوظائف الحيوية والمهام الفسيولوجية. فبخلاف دوره الرئيسي في العلميات الأيضية، مثل تخزين الجليكوجين، وإنتاج بروتينات البلازما، وتخليص الجسم من السموم، يلعب الكبد دوراً مهماً أيضاً في عملية الهضم من خلال إنتاجه للعصارة الصفراء. وبوجه عام يعتبر الكبد معملاً كيميائياً بالغ التعقيد، ينتج عدداً ضخماً من المركبات الحيوية، وينظم كماً هائلاً من التفاعلات الحيوية في الجسم. ومثله مثل بقية أعضاء وأجهزة الجسم، يصاب الكبد بمجموعة متنوعة من الأمراض والعلل، مثل الأورام السرطانية، والتهاب الكبد الوبائي، والتليف المزمن، وأمراض المناعة الذاتية، والأمراض الوراثية، وغيرها الكثير. ومن بين هذه المجموعة الكبيرة، يعتبر تليف الكبد المزمن (Liver Cirrhosis)، من أوسع أمراض الكبد انتشاراً. ففي الولايات المتحدة مثلاً، يحتل تليف الكبد المرتبة الثانية عشرة على قائمة أكثر أسباب الوفيات انتشاراً بين الأميركيين. أما في بريطانيا، فيحتل تليف الكبد الترتيب الخامس على قائمة أكثر أسباب الوفيات انتشاراً بين البريطانيين، حيث يعاني عشرة في المئة من البريطانيين من نوع أو آخر من مشاكل وأمراض الكبد. وما يحدث في حالات تليف الكبد، أن الخلايا والأنسجة الطبيعية تتعرض لضرر جسيم نتيجة بعض السموم والعوامل الخارجية الضارة، والتي تتسبب في موت الخلايا واستبدالها بأنسجة ليفية، مشابهة للأنسجة التي تتكون في أماكن الجروح والندب. وباستمرار هذه العملية، يفقد الكبد الخلايا السليمة باطراد، ليتحول لاحقاً إلى كتلة ليفية، غير قادرة على أداء الوظائف الحيوية الضرورية. وتتنوع وتتعدد الأسباب والعوامل التي تؤدي لتليف الكبد وموت خلاياه، مثل فرط إدمان الكحوليات، والتهاب الكبد الفيروسي (بنوعيه C و B)، والإصابة بمرض البلهارسيا. وتحتل البلهارسيا مكانة خاصة في أسباب الإصابة بتليف الكبد، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط. فبخلاف تسبب ديدان البلهارسيا في تليف الكبد بشكل مباشر، تتسبب أيضاً في تليفه بشكل غير مباشر، من خلال رفع معدلات الإصابة بالتهاب الكبد الفيروسي. فحسب دراسة نشرت قبل أعوام في المجلة الطبية البريطانية المرموقة "اللانست" (The Lancet)، اكتشف الباحثون علاقة بين الحملة الصحية الضخمة التي قامت بها الحكومة المصرية على مدار عدة عقود لمكافحة البلهارسيا، وبين تفشي الإصابة بفيروس التهاب الكبد "سي" بين المصريين، والذي أصبح حالياً من الأمراض المستوطنة في البلاد. وتكمن مشكلة تليف الكبد، وما ينتج عنها من تدهور في وظائفه، في عدم قدرة الطب حالياً على عكس هذا المسار، وتحقيق إصلاح للتلف الحادث. فالعلاج الطبي حالياً للمصابين بتليف الكبد، لا يزيد عن كونه علاجاً للأعراض والمضاعفات، في محاولة لوقف تزايد التلف، وإبقاء المريض على قيد الحياة أطول فترة ممكنة. ويحاول البعض استخدام المواد الطبيعية والأعشاب في وقف عملية التليف من الأساس. فعلى سبيل المثال، تناقلت وسائل الإعلام في منتصف شهر يونيو، نتائج دراسة تمت في كاليفورنيا، وأظهرت أن تناول كوب من القهوة، يخفض من احتمالات الإصابة بتليف الكبد بين مدمني الكحول بمقدار 22%. وقبل أسبوعين فقط، اكتشفت مجموعة من العلماء اليابانيين، أن تناول عصير الحوامض بما يحتويه من مشتقات فيتامين (A)، يقلل من تدهور أنسجة الكبد المصاحب للإصابة بالتهاب الكبد الفيروسي، ويخفض بالتالي من احتمالات الإصابة بسرطان الكبد لاحقاً. ولكن إذا ما فشلت الجهود الرامية لمنع التليف، سواء من خلال التدابير الطبية أو الطبيعية، وإذا ما باءت محاولات الحفاظ على وظائف الكبد المريض بالفشل، فيظل الأمل الوحيد حينها هو الحصول على كبد صالحة للزراعة. ورغم أن معدلات النجاح لمثل هذه العمليات قد تطورت بشكل كبير، حيث أصبحت تزيد على 90% حالياً، إلا أنها عمليات باهظة التكاليف، وتتطلب تعاطي الأدوية المثبطة للمناعة طوال العمر. هذا بالإضافة إلى أن عمليات زراعة الأعضاء بجميع أنواعها، تعاني من نقص حاد فيما هو متوفر من أعضاء صالحة للزراعة. فمثلاً في بريطانيا، التي يموت فيها قرابة الخمسة آلاف شخص سنوياً بسبب تليف الكبد، لا تجرى إلا 500 عملية زراعة كبد سنوياً، وهو ما يشكل 10% فقط من مجموع المرضى. ولذا تتجه الجهود حالياً نحو محاولة إصلاح التلف الحادث، واستعادة بعض من قدرة الكبد على أداء وظائفه. وهذه الجهود كللت هذا الأسبوع بنوع من النجاح النسبي، عندما استطاع فريق من علماء جامعة "نيوكاسل" البريطانية، استعادة بعض الخلايا والأنسجة في أكباد حيوانات متليفة. والمفاجأة أن هذا الاختراق، تحقق من خلال استخدام عقار زهيد الثمن، هو عقار "السلفا-سالازين" (Sulphasalazine)، والذي يستخدم منذ فترة لعلاج التهابات المفاصل ومرض التهاب الأمعاء الغليظة. وما اكتشفه فريق "نيوكاسل" أن "السلفا-سالازين" يمكنه المساعدة على استعادة وظائف الكبد ووقف علمية التليف، من خلال منع تكوين نوع خاص من البروتينات، ضروري لاستمرار عمل الخلايا المنتجة للأنسجة الليفية. ويسعى أعضاء الفريق حالياً لبدء الدراسات الإكلينيكية على البشر، وإن كانوا يؤمنون بالفعل، أن هذا العقار سيصبح عن قريب بديلاً عملياً وزهيد الثمن لعمليات زراعة الكبد. فالمعروف أن استعادة ما بين خمسة في المئة إلى عشرة في المئة فقط من الكبد، يحسن بشكل هائل من نوعية حياة المريض، ويزيد بقدر ملحوظ من فرصته في البقاء على قيد الحياة. د. أكمل عبد الحكيم