بإعلان الرئيس بوش يوم أمس نشر التقييمات الأساسية التي تضمنها تقرير الاستخبارات الوطنية المثير للجدل يكون قد وافق ولو ضمناً على الخلاصة المحورية التي خرج بها تقييم الاستخبارات الوطنية بأنه (بسبب نجاحاتنا في المعركة ضد قيادة "القاعدة" أصبح العدو أكثر انتشاراً واستقلالاً). غير أن التقرير نفسه يبدو بعيداً عن استنتاج بوش، ولا يقيم العلاقة السببية ذاتها بين نجاح إدارة بوش في دحر الإرهاب واتساع نطاقه في المعمورة. التقرير يقول بالتحديد إنه في الوقت الذي ساهمت فيه جهود الإدارة الأميركية في تعطيل قدرات تنظيم "القاعدة" وتشتيت قيادته، انتشرت "الحركة الجهادية العالمية" مدفوعة بعوامل كثيرة تستغلها "القاعدة" من دون أن تكون المسؤولة عن حدوثها. ويضيف التقرير أن أهم تلك العوامل المحفزة على تفشي الفكرة "الجهادية" في العالم هي الحرب في العراق، ووجود حكومات فاسدة وغير عادلة في معظم الدول الإسلامية، فضلاً عن تفشي المشاعر المناهضة للولايات المتحدة لدى أغلب المسلمين. وإجمالاً يتبنى التقرير نبرة تشاؤمية تتخللها ملاحظات متفائلة أحياناً، لاسيما عندما يتطرق إلى احتمال توسع الحركة الجهادية في العالم خلال الخمس سنوات المقبلة إلى درجة قد تعجز معها الحكومات الغربية عن مواجهتها. وفيما يستمر سيناريو الحرب في العراق بإلقاء ظلاله الكثيفة على المنطقة يتعمق الإحساس بالغبن لدى شرائح واسعة من المسلمين تساعد على تفريخ جيل جديد من الإرهابيين وحشد المزيد من التأييد لفكرة الجهاد ضد الغرب. وبوصف التقرير للعراق على أنه "القضية المحورية" للجهاديين فإنه يعتبر أن النجاحات التي تحققها "القاعدة" في العراق سواء كانت حقيقية، أم متصورة "تلهم المزيد من المقاتلين لنقل الصراع إلى أماكن أخرى"، بينما يؤدي الفشل إلى نتائج معكوسة. ويؤكد التقرير أنه في حال تم استهداف قادة "القاعدة" الحاليين مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وتم القضاء عليهم، فإن التنظيم سيتحول إلى مجموعات صغيرة متشرذمة لن تشكل خطراً كبيراً على الولايات المتحدة بعكس التنظيم في هياكله الحالية. ويبقى الجانب المتفائل الذي أورده التقرير هو استهجان معظم المسلمين للأساليب العنيفة والقاسية التي تعتمدها الحركات الجهادية، وعدم انخراطها في الأيديولوجية المتشددة التي تتبنها التيارات المتطرفة. ويرى التقرير إلى جانب ذلك أن الإصلاح الديمقراطي والبدائل السياسية السلمية لها دور كبير في مواجهة الإرهاب والتصدي لأخطاره. لكن التقرير يشدد على أن "العوامل الحقيقية المؤدية إلى انتشار الحركة الجهادية تفوق أي ثغرات يمكن رصدها في هياكل التنظيمات الإرهابية، وأن انتشارها سوف يستمر على الأرجح لمدة طويلة". وقد حدد أحد المسؤولين في "الاستخبارات الوطنية"، دون أن يذكر اسمه بأن الإطار الزمني لتفشي الظاهرة الجهادية سيمتد إلى غاية 2011. يشار إلى أن التقرير الذي وافق الرئيس بوش على إخراجه إلى العلن يوم أمس يضم وثائق إضافية تشمل معلومات تفصيلية عن خلفية نشوء بعض التنظيمات الجهادية. ورغم أن الرئيس الأميركي وافق على نشر التقرير كاملاً، إلا أنه تم حذف جزء بسيط يتعلق ببعض المعلومات الحساسة لحماية المصادر وبعض أجهزة الاستخبارات المتعاونة مع الولايات المتحدة. وقد أدى توصيف بعض المنابر الإعلامية الأميركية للتقرير على أنه إدانة لحرب العراق باعتبارها مسؤولة عن تفاقم خطر الإرهاب العالمي إلى إثارة جدل سياسي واسع. وفي هذا السياق اعتبر النواب "الجمهوريون" أن التحليلات الإعلامية مبتسرة ولا تعكس الطبيعة المتوازنة للتقرير الذي يشير إلى نجاحات الإدارة في مكافحة الإرهاب. وليس غريباً أن يعتبر الرئيس بوش تسرب أجزاء من التقرير إلى وسائل الإعلام عشية انتخابات الكونجرس النصفية على أنه جاء لخدمة أغراض سياسية. ولم يفوت أعضاء الحزب "الديمقراطي" الفرصة لاتهام الرئيس بوش بأنه حجب أجزاء مهمة من التقرير تشير إلى الأداء السيئ للإدارة الحالية في مكافحة الإرهاب والتصدي للتنظيمات الجهادية. غير أن اتهامات "الديمقراطيين" أصبحت واهية بعدما عُلم بأن التقرير الذي أفرج عنه أول من أمس سبق وأن أرسلت نسخ منه إلى المشرعين الأميركيين عبر وسائل إلكترونية. ومع ذلك فهو لم يثر الجدل الحالي سوى بعد تسرب أجزاء منه إلى وسائل الإعلام وأصبحت تتداوله الألسن على نطاق واسع. هذا وقد اعتبر العديد من المسؤولين السابقين في أجهزة الاستخبارات الأميركية عقب صدور التقرير أن ما جاء في التقييم ليس جديداً، بل كان موضوع نقاش من قبل المسؤولين في تقارير أخرى أعدت منذ 2003، لاسيما فيما يتعلق بالدور المحتمل للحرب في العراق على انتشار الإرهاب وتفشي الإيديولوجية "الجهادية" في العالم الإسلامي. كارين دي يونج وولتر بينكوس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محررا قسم الشؤون الخارجية في "الواشنطن بوست" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"