لم يكن مبالغة حين قررنا في نظرتنا الاسترجاعية حول أحداث سبتمبر أن الإمبراطورية الأميركية قد حققت بكل اقتدار إفلاساً في الفكر السياسي، وفشلاً في الأداء على مستوى السلوك الدولي. ونريد اليوم أن نركز على الفشل الأميركي في مجال التفكير الاستراتيجي، والسلوك العسكري على السواء. ونستطيع القول بكل موضوعية إنه مهما كانت الانتقادات التي توجه للإدارة الأميركية صحيحة وصائبة وخصوصاً في مجال التنظيم الاستراتيجي، والعيوب الجسيمة في عملية صنع القرار، إلا أن المجتمع الأميركي بشكل عام يعد مجتمعاً مفتوحاً يسمح بممارسة النقد الذاتي، حتى في أحرج اللحظات التاريخية. وبالرغم من أن إدارة الرئيس بوش حاولت أن تقمع بعنف شديد الانتقادات التي وجهت لها سواء في مجال الإعداد للحرب ضد العراق أو ممارسة الحرب بالفعل، إلا أنه سرعان ما اعتدل ميزان النقد، ومارس عدد من أبرز المفكرين الأميركيين في مجال الفكر السياسي والاستراتيجية معاً، النقد العنيف ضد النظرية والممارسة في الحرب ضد الإرهاب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية. وهذه الانتقادات نشرتها أوراق بحثية متعددة، أنتجتها مراكز البحث الاستراتيجية الأميركية، وأتاحتها لكل الناس وبدون قيود على شبكة الإنترنت. ولعل من أبرز هذه الدراسات النقدية ما أصدره "أنتونى كوردسمان" الذي يعد من كبار الخبراء في شؤون العالم العربي عموماً، ومنطقة الخليج خصوصاً. والنقطة المحورية التي يركز عليها كوردسمان كمقولة أساسية هي أن الحرب تصبح لا معنى لها إذا ما قنعت ببساطة بهزيمة العدو! ذلك أن الأهم من هذه الهزيمة هو نوعية إنهاء الصراع، والوقع الاستراتيجي الدائم للحرب التي تمت. وذلك لأنه من بين المعايير المستحدثة الآن في الفكر الاستراتيجي في مجال النصر أو الهزيمة، العمليات التي تحقق الاستقرار بعد الحرب، وعملية بناء الأمة من جديد، باعتبارها من بين الأدوات الحاسمة في مجال الأولويات للعمل العسكري والجهد المدني على السواء. لقد فشلت الولايات المتحدة الأميركية في أن تقدر منذ البداية تكلفة الحرب، ومداها الزمني، والصعوبات التي سوف تواجهها، وذلك في كل من أفغانستان والعراق. وعلى ذلك يمكن القول إن مزاعم الإدارة الأميركية في أنها حققت نجاحاً نسبياً لا تستند إلى أساس. وإذا كانت القوات المسلحة الأميركية قد أعدت لكي تحارب وتنتصر في الحروب التقليدية، إلا أنها -فيما يبدو من ممارساتها في العراق- لم تعد لكي تحارب حركات متطرفة أو إرهابية، أو تواجه جماعات من المتمردين، أو تدخل في حروب إيديولوجية سواء مع الدول، أو مع أطراف غير الدول. ولعل أبرز مصادر الفشل يتركز في الفكرة التي تبنتها الإدارة الأميركية من خلال منظور بالغ الضيق، وتتمثل في الظن بأن كسب حرب طويلة ممكن من خلال التركيز على السمو الأخلاقي والسياسي للديمقراطية والقيم الغربية، بغير إدراك منها أن الأمم الأخرى ذات الثقافات المختلفة عن الثقافة الغربية، لها وسائلها الخاصة في الفهم والتقييم والتلقي وقبول الآخر أو رفضه. وقد سبق لنا في دراساتنا التي نشرناها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر أن أشرنا إلى أن الإدارة الأميركية اندفعت بغير تروٍّ لكي تغزو العراق عن غير علم دقيق بطبيعة المجتمع العراقي بكل تضاريسه المعقدة الدينية والعرقية والسياسية، وبغير فهم لنوعية الثقافة العربية بشكل عام، وخصوصاً فيما يتعلق بأساليبها في التكيف والمقاومة. ويبدو أن الولايات المتحدة الأميركية في هذا الصدد كررت أخطاءها الجسيمة في حربها ضد فيتنام، والتي هزمت فيها هزيمة ساحقة نتيجة لجهل الإدارة الأميركية وقتها بالتاريخ الفيتنامي من ناحية، وبالثقافة الفيتنامية من ناحية أخرى. وقد أتيح لي أن أطلع على بحث سيكولوجي أجراه فريق من علماء النفس الأميركيين على عينة من أسرى الحرب الفيتناميين ونشرت نتائجه في بحث نشرته مؤسسة "راند" الأميركية. وفي هذا البحث ألقى علماء النفس على الأسرى سؤالاً جوهرياً مبناه: لماذا تحاربوننا بكل هذه الشراسة؟ والسؤال ذاته يكشف عن جهل هؤلاء العلماء الأميركيين بأهمية الذاكرة التاريخية في تشكيل الاتجاهات وضروب السلوك لدى أفراد الشعب. ولو كانوا قرؤوا التاريخ الفيتنامي جيداً لعرفوا أن الشعب الفيتنامي سبق له أن هزم القوات العسكرية اليابانية حينما حاولت اليابان غزو فيتنام، كما أنه ألحق بالقوات المسلحة الفرنسية هزيمة تاريخية في معركة "ديان بيان فو" الشهيرة. وفي ضوء هذه الملاحظات، يمكننا أن نفهم سر الأوهام التي عششت في أذهان الإدارة الأميركية في كون الشعب العراقي سيأخذ الجنود الأميركيين بالأحضان باعتبارهم محررين وليس باعتبارهم غزاة! مع أنهم لو قرؤوا قراءة دقيقة الذاكرة التاريخية العراقية، لعرفوا أن الشعب العراقي سبق له أن واجه الاحتلال الإنجليزي في معارك مشهودة، بالإضافة إلى أن هذه الذاكرة هي جزء من الذاكرة التاريخية العربية، التي سجلت معارك الشعوب العربية المختلفة ضد الاستعمار الإنجليزي والاستعمار الفرنسي والاستعمار الإيطالي، وذلك في العراق ومصر والجزائر وليبيا. ولعل الفشل المبدئي يتمثل في أن الولايات المتحدة الأميركية قد ارتكبت أخطاء جسيمة في التخطيط للحرب ضد العراق، لأنها لم تضع في حسبانها طريقة إنهاء الصراع، ووسائل تحقيق الاستقرار. ومن ثم فالإدارة الأميركية منذ البداية اختارت استراتيجية أهدافها غير واقعية ويستحيل تنفيذها، وخططت فقط لنوع الحرب التي أرادتها، وليس الحرب الواقعية بكل مشكلاتها وعدم اليقين الذي قد يصاحبها، والعمليات المعقدة الضرورية لتحقيق الاستقرار بعد نهايتها. وقد صاغ هذه الاستراتيجية المعيبة عناصر "المحافظين الجدد" في مكتب وزير الدفاع "رامسفيلد" ونائب الرئيس "تشيني" بالإضافة إلى المسؤولين في مجلس الأمن القومي، وبعض مراكز الأبحاث التي أشاعت اليقين في أن المسألة بسيطة، وهى لا تعدو إسقاط رئيس العراق الديكتاتور، وإقامة نظام سياسي جديد، يكون قادراً بحكم ثروات العراق على القيام بعمليات التنمية، وأنه لن تكون هناك صراعات طائفية أو دينية. وقد ساعدت على رسم هذه الصورة المزيفة جماعات المهاجرين العراقيين في الولايات المتحدة الذين قدموا صورة متفائلة ومضللة لما سيحدث بعد نهاية الحرب. غير أن هذا الفشل المبدئي أدى إلى ضروب أخرى من الفشل تمت أثناء الحرب ذاتها. ويعدد كوردسمان ثمانية عشر سبباً للفشل، يمكن أن تندرج تحت فئات متعددة، تتراوح بين الفشل السياسي والدبلوماسي والعسكري، والفشل في فهم طبيعة المجتمع العراقي، ونوعية الثقافة العراقية. وهكذا يمكن القول إن الحروب لا يمكن أن تكسب فقط بالاستناد إلى القوة العسكرية، بل لابد من الفهم العميق لمجتمع الخصم وثقافته، وخصوصاً حين تكون مختلفة في قيمها عن الثقافة الغربية. وإذا أردنا أن نعدد أسباب الفشل التي ذكرها "كوردسمان" فيمكن القول -وبغير تفصيل في كل منها- إنها تتركز منذ البداية في المبالغة في تقدير ضروب التهديد التي يمثلها العراق، والتي خلقت في الواقع مبرراً زائفاً لشن الحرب. وثبت من بعد كذب الزعم بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل. ومن ناحية أخرى فشلت التقديرات الدبلوماسية الأميركية في توقع عدم موافقة أعضاء مجلس الأمن على شن الحرب. ويضاف إلى ذلك الثقة في غير محلها التي أولتها الإدارة الأميركية لجماعات المهاجرين العراقيين والذين لا وزن لهم داخل العراق. غير أن فشل المخابرات كان أيضاً واضحاً في العجز عن تحليل البنية الداخلية السياسية والاقتصادية للعراق. وإذا ولينا وجوهنا تجاه الأسباب الثقافية للفشل فإننا سنجد أمامنا العجز عن تقييم القومية العراقية، وعدم فهم الاختلافات الثقافية، وعدم التقدير الصحيح لمعدلات المشكلات العراقية. ولعل من وجوه الفشل البارزة ما أشرنا إليه من قبل من التوقع غير الواقعي للترحيب السياسي الذي سيبديه المدنيون العراقيون بالغزو العسكري، بل وترحيب القوات المسلحة العراقية أيضاً! وقد أدى الجهل بطبيعة المجتمع العراقي إلى الفشل في توقع قيام صراعات عراقية أو طائفية. وفيما يتعلق بمقاومة الغزو العسكري الأميركي لم يدرْ بخلد الإدارة الأميركية السيناريو الخاص بتسرب عناصر غير عراقية إلى العراق للاشتراك في المقاومة جنباً إلى جنب مع المقاومة العراقية بكل أطيافها. وقد أدت كل هذه الأخطاء بالإدارة الأميركية للتخطيط لسحب جزء كبير من قواتها بعد ثلاثة أشهر فقط من نهاية الحرب، في حين أن الموقف مع الزمن ازداد سوءاً، مما اضطر هذه الإدارة الفاشلة إلى إرسال قوات إضافية إلى العراق. ويبدو أن كوردسمان -تحت تأثير النظرية الأميركية الإعلامية السائدة- ظن وهماً أن الإدارة الأميركية لو كانت قد أعدت نفسها جيداً من الناحية الإعلامية، وصممت البرامج المناسبة الموجهة إلى العراقيين، لكانت استطاعت أن تكسب "عقول وقلوب العراقيين"! ومعنى ذلك أن الرجل مع ارتفاع حسه النقدي، وقع هو أيضاً ضحية الجهل العميق بالثقافة العراقية خصوصاً والعربية عموماً، والتي - بناء على السجل التاريخى- لم تقبل أبداً لا الاستعمار ولا الاحتلال الأجنبي. إن الأمة العربية طوال قرن كامل تقريباً خاضت في مختلف البلاد العربية حروب تحرير وطنية سقط فيها آلاف الشهداء، وتوجت بالنصر ضد القوات الغربية الغازية. وثقافة هذا شأنها، وهذا تاريخها، لا يمكن تحت تأثير حملات إعلامية مهما تعددت أن تقع فريسة للوعي الزائف، وترحب بالغزو الأجنبي أو تقبل بالهيمنة الغربية. إن الحرب الأميركية في العراق تجدد للأسف الجرائم الاستعمارية الغربية التي مورست ضد الشعب العربي في العصر الاستعماري. وكان المظنون أن مرور الزمن، وتزايد المعرفة العلمية الغربية بمكونات المجتمع العربي وبمفردات الثقافة العربية الإسلامية، من شأنها أن تعصم القوى الكبرى من ممارسة الهيمنة، بل وشن الحرب ضد بعض البلاد العربية بالطريقة الاستعمارية القديمة. وقد آن الأوان لكي تتعلم الولايات المتحدة الأميركية من أخطائها القاتلة، وذلك في المستقبل المنظور.