ما مناسبة الحديث عن النسب في هذه الأيام؟ أليس فيما يعصف بالعالم العربي من أحداث وحروب موضوعاً أكثر صلة وراهنية من موضوع النسب؟ ربما أن السؤال هو: ماذا فيما يحدث في عالمنا العربي وليس له علاقة بالنسب؟ كل ما يحدث؟ بعض ما يحدث؟ أو أهم ما يحدث؟ وحتى يمكن حسم الجدل يظل موضوع النسب موضوعاً يفرض مشروعيته لصلته بما يحدث، وراهنيته أيضاً. كان النسب يمثل بالنسبة للعرب علماً قائماً بذاته وكتبت فيه مصنفات كثيرة. وواضح أن اعتبار النسب بهذه الأهمية كان انعكاساً لأهميته ومكانته الاجتماعية. حالياً تراجع النسب عن مكانته العلمية هذه، لكن أهميته وفاعليته الاجتماعية لم تتراجع كثيراً. أصبح موضوعاً من مواضيع التاريخ، وهذه مكانته الطبيعية. أهمية النسب الاجتماعية تعود في الأساس إلى أنه كان ولا يزال آلية للتراتبية في المجتمع، وبالتالي آلية سياسية للحكم. والحقيقة أن الجانب الاجتماعي- الثقافي للنسب بقي هو الأبرز والأوضح، وذلك لارتباطه بالحياة اليومية للناس وبتقاليدهم وقيمهم وأساطيرهم المتوارثة. عودتي للموضوع نفسه مواصلة وتكملة لما سبق. وما تناولته كان عن حكم قضائي استند إلى فكرة النسب، وتحديداً إلى المفهوم الفقهي لـ"كفاءة النسب"، وموقع ذلك من الشريعة الإسلامية. هنا ربما جاز التذكير بأن القانون هو روح الدولة، وأن الشريعة هي قانون الدولة الإسلامية، مثلما أن القانون الروماني كان قانون الدولة الرومانية، والقانون الكنسي هو قانون الدولة المسيحية. وخلاصة ما قلته حول هذا الموضوع أن العرف، وتحديداً الثقافة الدينية متداخلة مع قيم وأعراف اجتماعية موروثة، اختلط في ذلك الحكم مع القانون والتخريج القانوني المنضبط في أدائه ومرجعياته. ونتيجة لذلك حل العرف في ذلك الحكم محل القانون أو الشريعة. ربما أن نية القاضي كانت على العكس من ذلك تماماً، وهذا وارد. لكن الحديث لم يكن عن نيات لا يعلمها إلا الله. الحديث كان عن واقع وأحداث وعلاقات، وقبل ذلك وبعده عن نص الحكم ذاته، وما انطوى عليه، وما استند إليه. يصعب تفادي أن الحكم (بغض النظر عن النيات) جاء كنوع من التشريع غير المشروع لعرف اجتماعي فاسد. أيضاً حدث في الإسبوع الماضي ماله علاقة بموضوع النسب. لكن ارتباطه هذه المرة ليس بالشريعة، وإنما مباشرة بالسياسة والحكم. أقصد بذلك بعض ما جاء في الجدل الذي انفجر في لبنان في أعقاب خطاب أمين عام "حزب الله"، حسن نصرالله، في مهرجان الاحتفال بالنصر. كان هذا الجدل عن النسب، والعائلات وما يرتبط بها من ألقاب تميزها وتعطيها وجاهة في المجتمع. ففي سياق نقده للزعيم الدرزي اللبناني، وليد جنبلاط، قال نصرالله: "بيي ما كان بيك، وجدي ما كان بيك، ولا ابني حيكون بيك"، قالها هكذا باللهجة اللبنانية، ساخراً من اللقب الذي ارتبط بعائلة آل جنبلاط، باعتبارها تمثل أحد أكبر بيوت الطائفة الدرزية في لبنان. وقد جاء رد جنبلاط على نصرالله حول هذه المسألة بقوله إن الإنسان لا يختار موقع ولادته، ثم تحدث باختصار عن تاريخ لقب الـ"بيك"، وكيف أنه بدأ لقباً عسكرياً لينتهي في القرن التاسع عشر ويصبح لقباً للوجاهة. ثم وجه جنبلاط كلامه إلى نصرالله قائلا: "أنت سيد. نحن لا شيء. البيك لا شيء. أنت سيد. أنت من سلالة النبي. كيف تنحدر أمام هذا الجمهور العربي والإسلامي إلى هذه المحطة الشخصية. ليست لك. ليست لائقة بك...". أضف إلى ذلك مركزية العائلة في التركيبة السياسية في العالم العربي، ليس فقط من ناحية خلفياتها وارتهاناتها الدينية، بل من ناحية القيم والأعراف الاجتماعية كذلك. ثم هناك الطائفية، والاصطفافات المذهبية في هذا الجزء من العالم، وحقيقة أنها متداخلة مع العائلة، والنسب، والمكانة الاجتماعية، وبالتالي المكانة والمشروعية السياسية على هذا الأساس. هنا يتداخل الديني مع السياسي والاجتماعي بصورة جدلية، ويصبغ الأحداث بصبغته، وهي صبغة يغلب عليها حتى الآن طابع العنف، وأحياناً العنف الدموي. صورة المشهد السياسي في العراق ولبنان (للتمثيل فقط) أكثر من شاهد على ذلك. ليس الهدف هنا محاولة إلغاء مشروعية السؤال، بقدر ما أنها محاولة للتواصل معه إنطلاقا من الأساس المعرفي والهم السياسي اللذين ربما صدر عنهما السؤال. كما أشرت تحدثت ما فيه الكفاية عن الحكم القضائي. بقي أن أقول شيئاً عن جدل "اللقب والنسب" بين السيد حسن ووليد بيك. في كلام الاثنين، وخاصة في كلام وليد جنبلاط، ما يوحي بعبء إرث التراتبية الإجتماعية على أساس من النسب، والألقاب المتوارثة عن عائلات ارتبطت بالإقطاع وعصر ما قبل الحداثة. من ناحيته بدا نصرالله في سخريته من لقب "البيك" وكأنه نسي أو تناسى أنه يحمل لقب "السيد"، وهو لقب يعكس كذلك (رغم جذوره الدينية) تراتبية اجتماعية، ومتوارث أيضاً من الماضي. الأرجح أن نصرالله لم ينس في ذروة حديثه أنه يحمل هذا اللقب الاجتماعي المميز. لكن ربما أنه اعتبر أن لقب "السيد" يحمل دلالة الشرف والوجاهة على أساس ديني، وعلى العكس من لقب "البيك" الذي يحمل معنى الوجاهة على أساس اجتماعي، أو إقطاعي، ومن هنا سمح لنفسه بالسخرية من لقب "وليد بيك". هنا ينبغي عليّ العودة إلى ما قلته عن الحكم القضائي. كما أشرت، حل العرف في ذلك الحكم محل القانون أو الشريعة. بعبارة أخرى، تعامل القاضي مع القضية على أساس من العرف، وما ارتبط به من تراتبية اجتماعية. لكن هذا بحد ذاته غير كاف ولا يضفي مشروعية على الحكم. كان لابد من الاحتماء بالدين، لابد من الغطاء الديني أو الشرعي لتكتمل مشروعية الحكم. موقف السيد حسن نصرالله المضمر هنا لا يختلف كثيراً، لأنه يوظف الآلية ذاتها. التمتع بالمكانة الاجتماعية مع الاحتماء بالجذر، أو الغطاء الديني لها بهدف حماية اللقب، ومن ثم حماية المكانة المرتبطة به، وحجب الاعتراض، أو الاحتجاج، أو السخرية من اللقب. ولأن لقب "البيك" ليس له جذر ديني فإنه معرض للاستباحة والسخرية. فاللقبان كلاهما ينتمي إلى فكرة التراتبية الاجتماعية ذاتها. الفرق أننا نعيش الآن في مرحلة المد الديني. بناء على ما جاء في المصادر كان لقب "الشريف أو السيد" من حيث المبدأ جزءا من التراتبية الاجتماعية العربية التقليدية. تقوم هذه التراتبية على أساس من النسب، وتوارث الخصائص المرتبطة بهذا النسب، ومن ثم الحصول على الحقوق والمكتسبات والامتيازات التي تأتي مع هذه الخصائص. لقب "السيد أو الشريف" لا يختلف من هذه الناحية، لأن النسب والخصائص المرتبطة به هي الأساس الوحيد للحصول عليه. لكن هناك ما يوحي بشيء من الاختلاف في هذا اللقب، وهو أنه يرمز إلى ما حصل للتراتبية العربية التقليدية من تحول في لون أو شكل النسب: من الافتخار بالنسب على أساس من الجنس والقبيلة، إلى وجاهة على أساس من الدين، والبعد أو القرب من الرسول صلى الله عليه وسلم. في البداية كان لقب الشريف يطلق على كل من انتسب إلى أهل البيت، سواء كان علوياً أو عباسياً أو جعفرياً أو عقيلياً. وهو ما يؤشر حسب البعض إلى التحول المذكور، وارتباط النسب بالرمزية الدينية للنبوة. الفكرة الجوهرية للنسب بقيت هي الأساس. بناء على ذلك كان من السهل على الفاطميين أن يقصروا اللقب على ذرية علي بن أبي طالب من فاطمة، أو ذرية الحسن والحسين فقط. هنا احتفظ اللقب برمزيته الدينية، واحتفظ أيضاً بالوجاهة الاجتماعية والسياسية التي يمثلها، مما يؤشر إلى العودة مرة أخرى إلى رمزية النسب وما تمثله من مكانة اجتماعية. والمعروف أن ظهور الإسلام أعاد التراتبية الاجتماعية لمجتمع مكة، وخاصة لقبيلة قريش. حيث قلب هرم هذه التراتبية في البداية لصالح بني هاشم على حساب بني أمية. استعاد الأمويون مكانتهم بعد خروج معاوية بن أبي سفيان من الفتنة الكبرى منتصراً، بنجاحه في إقامة الدولة الأموية. ثم جاء العباسيون، وأزاحوا الأمويين ليستعيدوا صدارتهم الاجتماعية والسياسية... وهكذا. وهذا يعطي إشارة سريعة إلى أن لقب "الشريف" أو "السيد" تأثر بالتحولات السياسية والاجتماعية التي رافقت التاريخ الإسلامي منذ مرحلة الفتنة الكبرى، وحتى الآن. ما حصل لهذا اللقب كان بفعل السيرورة التاريخية، وبفعل آلية التراتبية الاجتماعية عبر التاريخ العربي الإسلامي، وليس استناداً إلى نص واضح في القرآن أو السنة. لقب "السيد" ينتمي اجتماعياً إلى مفهوم "كفاءة النسب"، الذي تجاهله القرآن تماماً. للحديث بقية.