إنه لمن المؤسف حقاً ألا نستطيع الاطلاع على تقرير الاستخبارات الوطنية المعنون "اتجاهات الإرهاب العالمي" بأكمله، خاصة بعد تسرب أجزاء منه إلى صحيفتي "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست". فالعنوان الذي تصدر "نيويورك تايمز" جاء على النحو التالي "أجهزة الاستخبارات تقول إن الحرب في العراق فاقمت خطر الإرهاب"، لكن تلك التصريحات لم يصحبها أي اقتباس من تقرير الاستخبارات الوطنية نفسه لنبقى نهباً لتكهنات الصحفيين وتخمينات المسؤولين الحكوميين الذين يعلقون على الموضوع دون أن يكشفوا هويتهم، حيث الدوافع الحقيقية غير معروفة، وبالتالي مصداقية التصريحات غير مضمونة. لكن يبدو من خلال ما رشح في الصحافة أن تقرير الاستخبارات الوطنية عن حالة الإرهاب في العالم ينطوي على انطباعات تفتقد إلى الدقة. لذا أعتقد أنه فيما يتعلق بهذا الموضوع الشائك فإنه من الأفضل الإجابة أولا عن بعض الأسئلة. فعلى سبيل المثال ماذا يعني بالضبط القول بأن الحرب على العراق فاقمت خطر الإرهاب؟ وحتما سيعترف معي مؤلفو التقرير بأن تلك الفرضية هي أقرب إلى التخمين منها إلى الحقيقة القائمة ما دامت الوقائع تشير إلى عكس ذلك. فقبل الحرب على العراق تعرضت الولايات المتحدة لسلسلة من الهجمات الإرهابية كان أبرزها تفجير السفارتين الأميركيتين في شرق أفريقيا عام 1998، وتفجير المدمرة الأميركية "يو. إس. إس كول" سنة 2000، ثم هجمات 11 سبتمبر. لكن منذ أن بدأت الحرب في العراق لم يسجل أي هجوم إرهابي ناجح على الولايات المتحدة. ولئن كان ذلك لا يعني أن الحرب في العراق قلصت من احتمال تعرض أميركا لهجمات إرهابية، إلا أنها تضع عبء إثبات العكس على مؤلفي التقرير. والمرجح أن ما قصده التقرير ليس تعاظم خطر الإرهاب بسبب الحرب على العراق، فما أوردته الصحافة لم يخف جهل التقرير باحتمال تعرض أميركا لهجمات مستقبلية، لكن ما يعنيه التقرير هو احتمال مساهمة الحرب في حشد التأييد للإرهاب وانضمام عناصر جديدة إلى صفوفه. ومع الأسف لا تقدم الصحف التي تحدثت عن التقرير ما يثبت ذلك من أرقام، أو إحصائيات محددة. فهل يعتقد التقرير بأنه فقط بسبب شعور المسلمين بالغضب إزاء الحرب ستلتحق نسبة منهم بفلول الإرهاب؟ وكبديل هزيل عن الحقائق والأرقام، أوردت صحيفة "واشنطن بوست" نقلاً عن التقرير ملاحظة مفادها أن عدداً متزايداً من الخلايا الإرهابية التي تبث رسائلها على الإنترنت تصور الحرب في العراق على أنها "محاولة من الغرب لغزو الإسلام". وهم لا شك يفعلون، لكن أن نقفز من هذه الملاحظة إلى خلاصة مفادها أن الحرب في العراق فاقمت خطر الإرهاب فذلك يحتاج إلى الإجابة عن بعض الأسئلة الإضافية: كم عدد الإرهابيين الجدد الموجودين حالياً؟ وكم منهم أصبح إرهابياً لأنهم قرؤوا الرسائل المنشورة على الإنترنت؟ ومن بين هؤلاء الإرهابيين كم منهم دفعته الحرب في العراق، وليس مثلا الحرب في أفغانستان، أو الرسوم الكاريكاتورية في الدانمرك، أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أو حتى التصريحات الأخيرة لبابا الفاتيكان؟ وربما تكون أجهزة الاستخبارات قد توصلت إلى طريقة لفحص وقياس الدوافع التي تقود إلى انضمام الناس إلى صفوف الإرهاب ومن تم تصنيفها، رغم أني أشك في ذلك. لكن أي تقييم جدي وفعال لتأثير الحرب في العراق على تفريخ الإرهاب عليه أن يعزل الحرب عن أي حدث آخر يمكنه المساهمة أيضا في استقطاب الإرهابيين حتى تكون للتقرير مصداقيته. وأي تقييم جاد لتأثير الحرب في العراق على الإرهاب العالمي يستوجب أيضا النظر إلى حال الإرهاب لو لم تحدث الحرب في العراق. فعلى سبيل المثال هل درس التقرير تأثير أحداث 11 سبتمبر على تجنيد الإرهابيين، أو تأثير تفجيرات لندن ومدريد على ذلك؟ ليس مستبعداً أن تكون تلك الهجمات قد أدت إلى انضمام المزيد من الأشخاص إلى الإرهاب بعدما تبينت لهم النتائج الباهرة لتلك العمليات. وإذا كان هناك ارتفاع فعلا في عدد الإرهابيين كما يقول ذلك التقرير فكم منهم انضموا إلى القاعدة بسبب الحرب في العراق، أو بسبب الرسوم الكاريكاتورية في الدانمرك، أو بسبب إساءات أخرى ارتكبها الغرب ضد الإسلام؟ وكم منهم حفزته الهجمات الناجحة في 11 سبتمبر على اعتناق أيديولوجية الإرهاب؟ وأخيرا فإن أي تقييم يروم قياس مدى تأثير الحرب في العراق على الإرهاب عليه أن يرد على مقولة إدارة الرئيس بوش بأنه من الأفضل محاربة الإرهاب في العراق على أن نضطر إلى محاربته في الولايات المتحدة. وقد لا تكون فرضية بوش صحيحة تماما لكنه يبدو أن الإدارة الأميركية تملك الحجة الأقوى لدعم مزاعمها. وإلى جانب ذلك يبرز سؤال محوري آخر يتمثل في ماذا سنفعل لو اكتشفنا أن بعض تحركاتنا قد تؤدي إلى احتمال تفاقم الإرهاب؟ هل يتوجب علينا دائما أن نمتنع عن الإتيان بتلك الأفعال، أم هل هناك حالات تدفعنا للتحرك مهما كان الثمن؟ فنحن لدينا أسباب وجيهة للغاية تدفعنا للاعتقاد بأن حرب الخليج الأولى التي خضناها، ثم بقاء قواتنا مرابطة في السعودية بعد الحرب كانت حافزاً مهما لأسامة بن لادن و"القاعدة". وبالإضافة إلى ذلك نحن موقنون أيضاً بأن دعم المجاهدين الأفغان لطرد الروس من بلادهم ساهم في تعزيز موقف الإرهابيين. فهل كان بالإمكان مثلا أن نقول بأننا سنكون أكثر أمنا لو بقيت الكويت تحت سلطة صدام حسين؟ أو لو ظل الروس في أفغانستان؟ روبرت كاجان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أكاديمي بارز في معهد "كارنيجي" للسلام العالمي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست".