لم يتركوا شهر رمضان كريماً...طيباً... ممتعاً كعادته، فقد حولوه بجدارة بلا مثيل إلى حالة هلع وترويع وإفلاس، وكأننا نعيش في غابة لا تحكمها قوانين أو ثوابت، بل مصالح التجار المضادة والمعاكسة لحياة مجتمع بأسره. فقد حسبت أن آفة الغلاء ستقف عند حدٍ جنوني ارتبط بارتفاع أسعار البنزين، وسيقف الهوس بالارتفاع- غير المبرر أبداً- عند حده، لكن الجشع كان أكثر حضوراً حين تحول الاحتفاء بهذا الشهر المبارك، إلى حسابات وديون وإفلاس قبل تمامه. هذه الظاهرة تواترت منذ سنوات، لم يحدها ضمير ولا إرادة سياسية حقيقية لكي يعرف الجميع حدوده وضوابطه. تحول الأمر إلى كابوس متواصل، لا يبقي ولا يذر، وكأنه في حرب انتقامية ضد جيوب تعاني فراغها قبل انتصاف الشهر بأيام. فمبادئ الاقتصاد الحر وقفت عند هذا الغلاء، ولم تعرف كيف يمكن أن تطبق هذه المبادئ على كل سمات الاقتصاد الحقيقية. هل يغيب القانون إلى درجة أنه لم يعد يخيف أحداً؟ هل تداخلت المصالح إلى درجة استهتار بكل التداعيات التي يمكن أن تتسبب في هذه الأزمة الصعبة؟ هذه الشكوى لم تعد تختص بالواقفين عند طابور "الشؤون الاجتماعية"، بل امتدت إلى أصحاب الدخول المرتفعة، حين تسربت خططهم الادخارية وذهبت أدراج الرياح. هي ليست قضية شهر أو وقت محدد، هي أكبر وأكثر خطورة من مجرد استغلال فرص، إنه تعدٍ على نظام اقتصادي كامل، احترام المستهلك من أولويات مبادئه، ناهيك عن زعزعة الثقة في دولة تعتمد أولاً وأخيراً على نظام مبتكر يتيح مرونة اقتصادية غير متوفرة في الكثير من الأنظمة السباقة الأخرى. إنه مسلسل كوابيس لا تعرف التوقف عند حد، بل صار الموظف يكره أن تكون هناك زيادة في راتبه حتى لا يخسرها قبل أن يستمتع بها. فاللجنة التي أصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله"، مرسوماً بشأنها قبل شهر تقريباً، ما زالت في حاجة إلى وقت قبل أن تُفعّل دورها المنشود، وأزعم أن دورها يستلزم وقفة جادة وحاسمة، يتم التغاضى فيها عن المصالح الشرسة لتجار الاحتكارات، فمهما كانت فرصهم في التلاعب وفرض الاحتكارات على السلع الغذائية، فوجود مثل هذه القوانين من شأنه أن يضيق الخناق على مثل هذه التصرفات، وستحد إلى مدى بعيد من مثل هذه الممارسات. وأحسب أن وجوه المستهلكين وحدها تستدعي التدخل السريع، قبل أن نفقد أهلينا بسبب هذه الأسعار المجنونة، والتي بلا شك ستؤدى إلى أمراض يُستعصي علاجها مستقبلاً. الأمر يبعث على القهر، والشعور بالعجز حيال هؤلاء الذين لا يبالون بأحد، ولا يرعون حقوق العباد وإمكاناتهم المادية. نأمل الكثير من هذه اللجنة، فلربما كانت الحكم الفصل في مثل هذه المهازل السنوية.