عندما وصلت إلى تايلاند في صيف 2003 كان رئيس الوزراء "تاكسين شيناوترا"، يسهر على واحدة من أهم قصص النجاح التي عرفتها البلاد منذ وقت طويل. فقد استطاع الاقتصاد الوقوف مجدداً على رجليه واستعاد عافيته بعد الأزمة المالية التي عصفت بالقارة الآسيوية في مطلع التسعينيات (أزمة النمور الآسيوية)، حيث تدفقت الاستثمارات على البلاد، وعادت سوق الأسهم إلى الازدهار، ثم ارتفع الاستهلاك الداخلي إلى مستويات غير مسبوقة. وهكذا أصبحت شوارع العاصمة بانكوك بمطاعمها الفاخرة تضج بالمرتادين من الطبقة الوسطى في تايلاند الذين يتمتعون برغد العيش الذي وفره لهم اقتصاد منتعش ومستقبل واعد. وليس غريباً أن يقوم "تاكسين" بجولة شملت بلدان جنوب شرق آسيا مروجاً لنموذجه الاقتصادي الناجح، ومزهواً بما حققه لبلاده من مكانة إقليمية تشهد له بها المنطقة بأكملها. ولم يكن النجاح أقل منه على الصعيد السياسي، حيث استطاع "تاكسين" فرض نوع من الاستقرار استمراراً لحكم المدنيين الذي دام 15 سنة في تايلاند وأرسى البلاد على سكة الديمقراطية. وفي 1997 وضع دستور جديد للبلاد يتبنى توجهاً إصلاحياً ليصبح من أكثر الدساتير تقدمية في المنطقة. بيد أن النجاح الذي راعاه "تاكسين" لم يدم طويلاً إذ سرعان ما بدأت المشاكل تطفو إلى السطح منذرة بتحويل قصة النجاح الباهر إلى إخفاق كبير. فبحلول السنة الجارية نزل الآلاف من التايلانديين إلى الشوارع احتجاجاً على سياسات "تاكسين" ومطالبين برأسه بعدما انهار النظام السياسي وتحول تمرد المسلمين في جنوب البلاد إلى حرب مفتوحة، فضلاً عن انحدار الاقتصاد إلى الهاوية. وقد وصلت الأزمة إلى ذروتها الأسبوع الماضي عندما تكرر مشهد لم تعرفه تايلاند منذ التسعينيات بعد إقدام الجيش على انقلاب عسكري أطاح بـ"تاكسين" ونظامه السياسي. والواقع أن مشهد الجيش وهو يجوب شوارع العاصمة بدا غريباً على التايلانديين وأقرب إلى بلدان أخرى مثل بورما منه إلى بلد يفخر بمدى الرفاه الاقتصادي الذي حققه لمواطنيه، واحتضان عاصمته لأشهر المحلات العالمية والمراكز التجارية. لكن بالرجوع قليلاً إلى الوراء نكتشف أن وقوع تايلاند في أزمتها الحالية لم يجئ بين عشية وضحاها، بل هو صيرورة امتدت على مدى سنوات. فمنذ انتخابه لأول أمرة سنة 2001 عمل "تاكسين" بالتدريج على إضعاف المؤسسات الديمقراطية في تايلاند، كما أدت سياساته الاقتصادية، رغم إثمارها لنتائج مهمة في البداية، إلى رهن مستقبل البلاد للمؤسسات المالية الدولية. والنتيجة أنه عندنا احتاج "تاكسين" إلى دعم النخبة الديمقراطية في البلاد بعد الإعلان على الانقلاب العسكري لم يستجب له أحد وترك وحيداً في عين العاصفة. ويذكر أن "تاكسين" دخل المعترك السياسي كرئيس لإحدى أكبر شركات الاتصالات في تايلاند، حيث روج لنفسه كزعيم شبيه بمدير شركة ناجح قادر على اتخاذ القرارات السريعة والحازمة. وهي الصورة التي رحب بها التايلانديون الذين سئموا من التحالفات السياسية الهشة وغير الفعالة، فضلاً عن ترحيبهم بسخائه تجاه المناطق الريفية الفقيرة وتحسينه لمستواها الاقتصادي ما جعله يحصل على أغلبية مريحة في انتخابات 2001 و2005. غير أن "تاكسين" الذي أدار البلاد كما تدار الشركة لم يدرك أن النتائج لا تأتي بإصدار الأوامر في الديمقراطيات الحرة، ولا يمكن أيضاً خنق المعارضة وحجب دورها. ولعل أول أخطائه إلغاؤه لمؤسسة كانت قائمة في جنوب البلاد تسمع شكاوى الأقلية المسلمة وتحول دون تفاقم الصراع. أما في العاصمة بانكوك فقد عمدت شركة "تاكسين" العائلية للاتصالات إلى شراء أكبر محطة تلفزيونية مستقلة في البلاد وطردت الصحفيين المعارضين لسياسات "تاكسين"، كما استخدمت الشركة مكتب مكافحة تبييض الأموال لاستفزاز صحفيين آخرين وتكميم أفواههم. ولم يقف "تاكسين" عند هذا الحد، بل سرح الموظفين المناهضين لمواقفه، بمن فيهم حاكم بنك تايلاند المركزي وقائد القوات المسلحة ذي الميول الإصلاحية. وقام أيضاً بوضع أشخاص مقربين منه في المواقع الحساسة وعلى رأس الهيئات الحكومية المكلفة بالرقابة التي أحدثها دستور 1997. هذا بالإضافة إلى اتهامه لمعارضيه بالتمرد وتقويضه لسلطة القضاء في تايلاند. وفي تلك الأثناء كانت السياسة الاقتصادية لرئيس الوزراء "تاكسين" موجهة أساساً لخدمة مصالح شركته الخاصة. ورغم أن الحوافز المالية التي أقرها رئيس الوزراء ساعدت على انتعاش الاقتصاد، فإنها من جهة أخرى أثقلت كاهل البلاد بالديون، دون أن تقود إلى إحداث صناعات ذات قيمة عالية تستطيع من خلالها تايلاند منافسة الصين واقتصاديات البلدان الآسيوية الأخرى. وفي شهر يناير الماضي باعت شركة "تاكسين" بعض أسهمها إلى مستثمرين من سنغافورة لتجني مبالغ مالية قدرت بـ1.9 مليار دولار لم تدفع عنها الشركة أية مستحقات ضريبية. وبينما كان "تاكسين" يراكم المزيد من السلطة واصل هجومه على خصومه موجهاً سهامه إلى ما تبقى من مؤسسات إعلامية مستقلة. كما صم آذانه عن مطالب السياسيين بإقرار مصالحة مع المناطق الجنوبية المتمردة، حيث انفجرت مشاعر الغضب وتحولت إلى عنف أهوج يهدد بتقويض استقرار الجنوب. وبالعكس من ذلك هناك من وجه له الاتهام بالتواطؤ مع فرق الموت التي تعيث فساداً في المناطق الجنوبية، وسماحه لها باقتراف جرائم ضد المواطنين. وبسبب سياسات "تاكسين" الرافضة للحوار مع الجنوبيين تحولت منطقتهم مع مرور الوقت إلى إقليم منكوب شبيه بالعراق، حيث تنتشر الدوريات الأمنية ويسقط الضحايا من الجنود التايلانديين. وفي النهاية نفد صبر النخبة السياسة وضباط الجيش من فساد "تاكسين"، وفشله في علاج مشكلة الجنوب مفسراً رد الفعل المرحب بالانقلاب من قبل النخبة السياسية، رغم قرارات قادته التي أجلت الديمقراطية حتى إشعار آخر. جوشوا كورلانتزيك أكاديمي زائر في "منحة كارنيجي للسلام الدولي" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"