في البداية يجب أن نتفق على أن مصطلح "أمركة الشرق الأوسط" لا يعني أن تصبح دوله مثل "ماما أميركا" من النواحي السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والعسكرية للاختلاف الهائل في الثقافات والعادات والتاريخ والقوى ودرجة التخلف في الميادين كلها، أو أن يتم ضم دوله لتصبح جزءاً من ولايات الإمبراطورية الأميركية، فهي عبء ثقيل يصعب تحمله، بل تعني رضا الإمبراطور بوش الصغير عن أداء دول منطقة الشرق الأوسط شعوباً وحكومات، بحيث تستسلم وتسلم قيادتها وإرادتها كاملة غير منقوصة للإمبراطور يفعل بها ما يشاء. لذلك درج بوش الصغير ومريدوه في واشنطن على إطلاق مصطلحات جديدة مثل "الشرق الأوسط الكبير" و"الشرق الأوسط الجديد"، ولم يفهم البعض المقصود بهذه المصطلحات، إلا أن العالمين ببواطن الأمور في واشنطن يعرفون جيداً معناها ومقصدها والهدف الكامن من إطلاقها. فالشرق الأوسط "الكبير" يعني أن أكبر عدد من دوله يجب أن يكون تابعاً لأميركا، وفي رواية أخرى أنه يعني أن تكون معظم دوله إن لم تكن كلها تحت إمرة "كبير العالم"، أي الإمبراطورية الأميركية العظمى. أما مصطلح الشرق الأوسط "الجديد"، فإنما يعني أن يكون جديداً من حيث حدود ومساحات دوله، وربما تغيير تركيبة شعوبه العربية خاصة المسلمين منهم، فهي دول وشعوب "إرهابية النزعة والطابع والتوجه". وكذلك يصبح الشرق الأوسط "جديداً" من حيث ما يقوم به من دور لصالح الاستراتيجية الأميركية العظمى، وعن اقتناع تام؛ دون أن يتكلف الإمبراطور بوش الصغير أو من ينوب عنه عناء إصدار الأمر أو إعطاء إشارة من إصبعه أو إرسال مبعوث خاص. وفي سبيل تحقيق الهدف الإمبراطوري "السامي" في إقامة شرق أوسط "كبير" و"جديد"، فإنه تم تقسيم دول المنطقة إلى ستة أنواع انطلاقاً من روح المصطلح ومضمونه: (1) دول تابعة للإمبراطورية ومخلصة لمصالحها. (2) دول شبه تابعة للإمبراطورية العظمى ولكنها موالية لها. (3) دول في نيتها أن تصبح تابعة إلا أن شعوبها متمردة ولكنها لا تهدد المصالح الحيوية للإمبراطورية بصورة مباشرة. (4) دول شريرة غير مهمة. (5) دول شريرة ومهمة للمصالح الأميركية. (6) ولاية أميركية رقم 51 هي إسرائيل، وبالطبع هي جزء من الإمبراطورية العظمى ولا يحتاج الأمر إلى إجراء أي تغيير فيها، بل يلزم تدليلها وتنفيذ أحلامها سواء اتفقت أو اختلفت مع "ماما أميركا". والرئيس بوش الصغير وإدارته يرون أنه عدا إسرائيل، الولاية رقم 51، فإن دول الشرق الأوسط بأسرها تعتبر دولاً متخلفة وبربرية وهمجية و"نايمة" يجب التعامل معها بكل شدة وعنف وحزم، وعدم إعطائها أي فرصة للتقدم أو النمو. أما الجمهورية الإسلامية الإيرانية فلها وضع خاص من وجهة نظر بوش الصغير وإدارته، فرغم أنها شريرة وتقف حجر عثرة أمام المصالح الأميركية في المنطقة، إلا أنه يصعب نسيان أنها كانت أحد مرتكزات الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وهي تتشابه مع إسرائيل في عناصر عدة، فهي فارسية شيعية، وتحمل مشروعاً معادياً للعرب، وبها نظام ديمقراطي خاص يعكس توجه الشارع الإيراني في ظل وجود مؤسسات متعددة لاتخاذ القرار. لذلك فإن المشروع الأميركي لشرق أوسط "كبير وجديد"، يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة من جديد، وإنشاء مناطق نفوذ تعمل بنظام "الوكالة" لصالح "ماما أميركا"، من خلال العمل على محاور عدة تشمل: أولاً: تحجيم طموحات إيران وإعادتها إلى الحظيرة الأميركية بتقديم حوافز غير مسبوقة لها وتقطيع علاقاتها بـ"حزب الله" اللبناني، ومنحها الفرصة لتمارس "نفوذاً بالوكالة في منطقة الخليج" بما يسمح للقوات الأميركية بالخروج من قلب المنطقة وإعادة الانتشار فيما وراء الأفق للقضاء على حجج التطرف الإسلامي ومبررات الجماعات الإرهابية في عدائها لأميركا. ثانياً: منح إسرائيل الفرصة للقضاء على أسباب التوتر في المنطقة، والتي ترى ماما أميركا أنها تكمن في القضية الفلسطينية، ولذلك تطلق يد إسرائيل للقضاء على أية قوى فلسطينية تحمل راية المقاومة مثل حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" وما يشابههما، ومنحها الفرصة لتمارس "نفوذاً بالوكالة في منطقة المشرق العربي". ثالثاً: تركيز الهيمنة الأميركية المباشرة على "النفط" لفرض سطوة أميركية غير مباشرة على الاقتصاد العالمي من خلال السيطرة على إمدادات النفط إلى كل من الصين واليابان وأوروبا. رابعاً: التفاهم الأميركي مع الهند ومنحها مزايا وحوافز نووية وتشجيع تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، فهي من الديمقراطيات التي تعترف بها إدارة بوش الصغير، وتتميز أيضاً بتفردها الطائفي "الهندوسي" في مواجهة عدد من الدول الإسلامية المجاورة لها، حتى تستطيع ماما أميركا أن تمنحها الفرصة لتمارس "النفوذ بالوكالة في منطقة جنوب شرق آسيا". وبالطبع لابد أن يواكب مشروع توزيع مناطق "النفوذ بالوكالة" إجراءات تكتيكية أخرى لضمان نجاح المشروع، وتضم هذه الإجراءات رزمة متكاملة من الأنشطة والتحركات من جانب الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها على المستويين الإقليمي والدولي من أهمها: - إحلال قوات الناتو محل القوات الأميركية في أفغانستان، حتى تتفرغ القوات الأميركية للتخلص من المعارضين لمشروع الشرق الأوسط "الكبير- الجديد"، وفي الوقت نفسه يتم إشغال الناتو ومن خلفه الاتحاد الأوروبي بعيداً عن المسرح التقليدي للشرق الأوسط قدر الإمكان. - التراجع عن خريطة الطريق، وترك حرية التصرف لإسرائيل لتنفرد بحل المشكلة الفلسطينية، من خلال استخدام كل الطرق المشروعة وغير المشروعة، العسكرية منها والاقتصادية، بحيث تنتفي حجة الشعوب العربية في مناهضة إسرائيل. - الاعتماد على القوة العسكرية وحدها في التعامل مع التحديات والتهديدات والأزمات والمشكلات المثارة في المنطقة، سواء بالاستخدام المباشر للقوة العسكرية أو بالوكالة. - التخلي عن الاستراتيجية الأميركية في نشر الحرية والديمقراطية في العالم العربي، لأن نتائجها غير مضمونة، والديكتاتوريات الاستبدادية الحاكمة في بعض الدول العربية أفضل كثيراً من نظم حكم قد تقف ضد المصالح الأميركية في ظل شعوب أعلنت عن كراهيتها الواضحة للولايات المتحدة الأميركية. - التواجد الدولي في السودان ليكون قادراً على كشف أي تحركات معادية لأميركا في القرن الإفريقي، وكذلك إجهاض أي محاولات لإقامة حكم إسلامي في السودان أو الصومال، والتأكد من حقيقة نوايا الدول التي تراجعت عن عدائها للغرب والولايات المتحدة. - دعم الطائفية، وتشجيع الأقليات على المطالبة بالحكم الذاتي، وإذكاء روح التعصب العرقي لتقسيم الدول التي يصعب ترويضها، لتسهل عملية السيطرة عليها ووضعها في إطار تقسيم مناطق النفوذ بـ"الوكالة". - تطويع المنظمة الدولية وأجهزتها ومؤسساتها لإرادة الإمبراطورية العظمى لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، واعتبار التدخل الإنساني آلية للتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة من دول الشرق الأوسط، كما أن قوات حفظ وفرض السلام الدولي تعمل وفق الرؤية الأميركية. من المؤكد أن كثيراً من المحللين والخبراء والباحثين سيجدون أن المشروع الأميركي للشرق الأوسط "الكبير- الجديد" عمل شيطاني، ولكن من قال إن الشيطان يفشل في تحقيق مآربه؟ فهذا دوره بين بني البشر. وإذا كان البعض يشكك في الدور الإيراني لتنفيذ المشروع الأميركي فإن الشواهد كثيرة على معرفة ملالي إيران بوضعها ومكانتها داخل المشروع، ولكنها تسعى للحصول على مزيد من المزايا، وتوسيع نطاق نفوذها بعد الاعتراف بها "قوة إقليمية كبرى". تأتي واقعية المشروع من الأحداث التي تجري في المنطقة، من إطلاق يد إسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية، وحصار وعزل سوريا ومساومة إيران النووية، و"الطناش" عن الحرب الأهلية الجارية في العراق، وغض الطرف عن المد الشيعي في المنطقة، وما يحدث للبنان، والانبطاح العربي... ما يعني أن المشروع الأميركي يجري تنفيذه... اللهم قد بلغت؟ اللهم فاشهد.