يوم الجمعة الماضي، تدفق الآلاف من البرازيليين البروتستانت الإنجيليين إلى أحد الميادين الواقعة في ضواحي مدينة "ريو دي جانيرو" لحضور تجمع سياسي حاشد، على الرغم من الحرارة الخانقة التي لفت المدينة في ذلك اليوم. وكان محور الاهتمام في هذا التجمع هو راعي الكنيسة المتحمس القس "مارسيلو كريفيلا" المرشح لمنصب عمدة "ريو" الذي كان يقف إلى جانب الرئيس "لويز إيناشيو لولا دا سيلفا" على منصة ليردا على تحية الجماهير الحاشدة. ومع اقتراب تاريخ الانتخابات القادمة في البرازيل في الأول من أكتوبر القادم، فإن "لولا" يبدو متأكداً من أنه سيظل في دائرة الضوء للأربع سنوات القادمة أيضاً. كان أنصار "لولا" يلوحون بالأعلام وعندما سألت ثلاثة منهم عن السبب الذي سيدعوهم لانتخابه قالت إحداهم وتدعى "فيرا لوشيا اندريادي" أنها ستصوت له لأنه ساعد فقراء البرازيل. وقال آخر واسمه "جليسون أموريم" إنه سيصوت له لأنه كان رئيساً جيداً، وقالت ثالثة هي "فاطمة جوميز" إنها ستصوت له لأنها لا تستطيع تذكر أسماء المرشحين الآخرين. إذا ما أخذنا هذه الأسباب معا، يمكننا أن نفهم لماذا يبدو لولا دا سيلفا مؤهلا للفوز، على الرغم من الإدانة الواسعة النطاق لحكومته، والتهم الموجهة لها بأنها قد قامت بمأسسة الفساد، ولم تستطع الوفاء بمعظم وعودها بإجراء تغييرات جذرية على البرازيل. وتشير التقديرات أن "لولا" يتفوق على منافسه الرئيس في الانتخابات "جيرالدو الكمين" رئيس الحزب "الاشتراكي الديمقراطي"، وهو من أحزاب "الوسط "،كما تشير بعض استطلاعات الرأي أنه سيفوز بالأغلبية المطلقة، التي ستساعده على تجنب خوض انتخابات فاصلة بعد تاريخ الانتخابات الأولى بثلاثة أسابيع. وكان "لولا" قد نال الثناء بسبب قدرته على المحافظة على استقرار الاقتصاد، وإنْ كان ذلك الاقتصاد لم ينم بالصورة التي كان الشعب يأملها حيث لم تزد نسبة نموه السنوي عن 2,6 في المئة سنوياً، وهو ما يعادل نصف معدل النمو في جنوب أفريقيا. والسبب الرئيسي لتفوق "لولا" في الاستطلاعات حسب المحللين السياسيين والمصوتين العاديين هو أنه قد قدم هبات سخية لفقراء البلاد منها البرنامج المعروف باسم "بولسا اسكولا"، الذي يتم بموجبه دفع راتب شهري صغير لمساعدة العائلات الفقيرة على إبقاء أطفالها في المدارس، ولمساعدتها في دفع نفقات الطعام والغاز وغيره من الضروريات. ويبلغ عدد الأسر المستفيدة من هذا البرنامج 11 مليون أسرة تضم 45 مليون إنسان. والإعانات المقدمة من البرنامج تضمن البقاء للملايين من الفقراء، وتعتبر سبباً رئيسياً من الأسباب التي تدفع الفقراء للتصويت لمصلحة "لولا"- كما يقول المحللون. من هؤلاء المحللين "تيموثي باور" المحاضر بجامعة أوكسفورد الذي يقول إن النتائج التي حققها هذا البرنامج، وكذلك ارتفاع الحد الأدنى للأجور بنسبة 23 في المئة منذ 2003 هما اللذان سيكسبان الانتخابات لحزب "العمال" البرازيلي الذي يقوده لولا". وفي الحقيقة أن هذه الهبات كانت هي السبب الذي أدى إلى تجاهل الفقراء عما يقول أعضاء الطبقة المتوسطة البرازيلية أنه فساد صادم في إدارة "لولا"، كان من أبرز وقائعه فضيحة النقود مقابل الأصوات التي تفجرت العام الماضي، والتي يقول الخبراء إنها قد أدت إلى "مأسسة الرشوة". فالسيد "أموريم" المشار إليه في بداية المقال يقول إن العديدين من الذين ينوون التصويت لـ"لولا" يقولون إنهم يؤمنون بأنه لا يعرف شيئاً عن الفضائح التي لحقت بحزبه. مع ذلك فإن هناك آخرين يقولون إن" لولا" نفسه غير متورط في الفساد، ولكنه كان يعمل بما يحدث، بدليل أنه قد أجبر عددا من أعضاء حزبه على الاستقالة وأنه كان ينكر دائماً معرفته بأن الحكومة تمنح النواب أموالاً مقابل أصواتهم في الكونجرس. تؤكد السيدة "فاطمة جومز" أيضاً ذلك بقولها: (أنا اعتقد أن "لولا" كان يعرف، ولكنه شخصياً رجل نظيف، ولذلك سأمنحه صوتي، علاوة على أن أي أحد من المرشحين الآخرين لم يقنعني أنه سيكون أفضل من "لولا"). وفي الحقيقة أن السيدة "جوميز" لا تعرف حتى أسماء المرشحين الآخرين الذين سيخوضون الانتخابات ضد "لولا". ومما لا شك فيه أن الحملات الفاترة لهؤلاء المرشحين بما فيهم حملة المتحدي الرئيس للولا(جيرالدو الكمين) تعتبر سبباً آخر من الأسباب، التي ترجح فوز"لولا" بفارق كبير. فعلى الرغم من أن هناك عددا قليلاً من الأشخاص الذين يمكن أن يشككوا في كفاءة "الكمين" إلا أن الحقيقة هي أنه قد أخفق في التواصل مع الناخبين خارج ساو باولو التي كان حاكماً لها من قبل. ويخوض "لولا" و"الكمين" الانتخابات على أجندتين تكادان تكونا متماثلتين حيث تقوم كل منها على الإصلاح السياسي، والاستقرار الاقتصادي، وزيادة الاستثمارات في البنية الأساسية والتعليم، ولكن الناس يمنحون أصواتهم ليس على أساس الحزب، ولا على أساس السياسة وإنما على أساس الشخصيات وذلك كما يقول المحللون السياسيون والخبراء. ففي مقابل شخصية "لولا" الكاريزمية ينظر الكثير من البرازيليين إلى "الكامين"على أنه شخصية مملة علاوة على أنه يتأخر دائماً في عمل الشيء ولا يقوم به سوى في اللحظة الأخيرة. فعلى الرغم من أن "لولا" قد بدأ في شن حملة إعادة انتخابه منذ اليوم الذي تولى فيه منصبه، فإن "الكامين" لم يبدأ ذلك إلا منذ شهور قليلة، وهذا سيكون له تأثيره لأن تلك الانتخابات سيتم حسمها ليس بناء على ما يقال في الحملة الانتخابية، ولكن بناء على ما كان يتم قوله وإنجازه خلال السنوات الأربعة الماضية، وذلك كما يقول "كارلوس مانهانيللي" رئيس الاتحاد البرازيلي للمستشارين السياسيين. ويضيف "مانهانيللي": لقد قدم "لولا" رسالة متماسكة طيلة الوقت، حيث كان يتحدث إلى جماهير الفقراء ويقول لهم إنني منكم وأفراد النخبة البرازيليين لا يحبونني لأنني أشبهكم.. علاوة على أنه قد نجح في حماية نفسه من كافة التهم المتعلقة بالفساد حيث لم تستطع تهمة واحدة أن تلصق به". اندرو داوني مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في البرازيل ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"