"نحن لا نعذب المعتقلين"، هذه هي العبارة التي يصر الرئيس بوش على ترديدها، موضحاً أننا نستخدم فقط "إجراءات بديلة" وشرعية في عمليات الاستنطاق. لكن إذا كان كل شيء، كما يدعي بوش، لا يخرج عن نطاق الشرعية والقانون فلماذا يبدو البيت الأبيض فجأة وكأنه مستعجل للتوصل إلى اتفاق مع الكونجرس "يوضح" من خلاله المادة الثالثة من اتفاقية جنيف، ويعدل قانون جرائم الحرب الذي يحظر انتهاك المادة المذكورة من اتفاقية جنيف؟ والمشكلة حسب بوش أن المادة الثالثة التي تحرم "المعاملة القاسية، والمهينة للسجناء وانتهاك كرامتهم الشخصية" غير واضحة ويلفها الغموض، مدعيا أنها لا تحسم على نحو واضح ما هو محظور اتباعه وما هو مسموح به أثناء استنطاق المعتقلين. والحقيقة أن ما يؤرق بوش ليس غموض المادة الثالثة من معاهدة جنيف، والتباس قانون جرائم الحرب، بل المشكلة الحقيقية أن كلا القانونين واضحان أكثر من اللازم. فإذا تم الاحتكام إلى المادة الثالثة من معاهدة جنيف وقانون جرائم الحرب للبت في بعض الوسائل المتبعة في الاستجواب من قبل إدارة بوش وما إذا كانت تنتهك القانون الدولي، لأصدرت جميع المحاكم الأميركية قراراً بأنها تفعل. وبالرجوع إلى الدستور الأميركي نجده ينص بصريح العبارة على تحريم "العقاب القاسي الخارج عن المألوف". ورغم الالتباس الذي قد يحيط بالنص الدستوري، فإن المحاكم الأميركية عرفت دائماً كيف تحصر المفهوم وتحدده كما حصل في سوابق قضائية عديدة عرضت على المحاكم الفيدرالية وكانت واضحة في الإشارة إلى الممارسات التي تمس كرامة الإنسان وتنتهك آدميته. صحيح أن ما قد يعتبره البعض انتهاكاً خطيراً لحقوق المعتقلين قد ينظر إليه البعض الآخر على أنه أسلوب في الاستنطاق لا يرقى إلى التعذيب، إلا أن ذلك عار عن الصحة اللهم إذا كانت الإدارة الأميركية تدعي أن المعتقلين في سجونها يلهجون بالامتنان لربطهم بالسلاسل حول أعناقهم وجرهم مثل الكلاب. ولا أعتقد أن شخصاً يتمتع بقدر من المنطق لا يعتبر خنق المعتقلين وصب الماء على أفواههم وأنوفهم نوعاً من التعذيب. وإذا كان مازال يساوركم الشك انظروا إلى الأساليب "البديلة" التي يتحدث عنها بوش وتخيلوا لو أن أحداً يمارسها على أبنائكم كأن يجرد من ثيابه ويقذف به داخل زنزانة تقترب درجة حرارتها من الثلاجة، ثم يسكب عليه ماء شديد البرودة فهل سيكون ذلك أمراً عادياً ومنسجماً مع الشرعية والقانون الدولي الذي يضمن حقوق السجناء عبر العالم؟ وماذا لو تم تقييده إلى الجدار لأيام بحيث لن يستطيع الجلوس أو الاستلقاء دون أن يظل معلقاً إلى الأمام بينما هو مربوط من ذراعيه؟ وماذا لم كانوا يوهمونه بأنهم يدفنونه حياً، أو يهددونه بقتل عائلته واغتصاب زوجته؟ أليس ذلك ضرباً من ضروب التعذيب وانتهاكاً صارخاً لحقوقه؟ وبعيدا عن العبارة التي تستعملها إدارة بوش مثل "البدائل" "وتعديل النظام الغذائي" وأوضاع خلق التوتر" التي يراد بها التخفيف من وقع الحقيقة، فإن ما يجري على أرض الواقع من ممارسات هو تعذيب محض. ولعل هذا ما يخشاه بوش، فهو يعرف جيدا أن الممارسات التي رخص باستخدامها تنتهك بشكل واضح المادة الثالثة من اتفاقية جنيف، خاصة وأن المادة ليست جديدة في القانون الدولي. فمنذ صياغتها سنة 1949 لم تبدِ الولايات المتحدة أي اعتراض بشأنها، لا سيما وأننا من الأوائل الذين وقعوا على اتفاقية جنيف وصادقوا عليها. كما أن قانون جرائم الحرب مرره الكونجرس سنة 1996 عندما كان "الجمهوريون" يسيطرون عليه ولم يتحدث أحد عن غموض في المادة الثالثة، وضرورة تعديل القانون. هذا النهج الذي تعتمده إدارة بوش سبق وأن حذر منه مستشار البيت الأبيض السابق "ألبيرتو جونزاليس" في 2002 عندما نبه الرئيس بوش بأن سياساته الحالية تهدده "بالمتابعة القضائية". غير أن المتشددين الذين اجتاحوا البيت الأبيض بعد ذلك أقنعوا الرئيس بوش بالمضي قدماً في نهجه وزينوا له سياساته في استنطاق المعتقلين. ولأن بوش يدرك جيداً أن الوقت قد فات ليتدارك التركة المشينة التي سيخلفها وراءه، فإنه يحاول اليوم انتزاع اتفاق من الكونجرس يبعد عنه شبح الملاحقة القانونية، وهذا أضعف الإيمان. روزا بروكس كاتبة ومحللة سياسية أميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"