كنت قد شارفت على الانتهاء من قراءة كتاب البابا بنديكت السادس عشر الجديد والمعنون: "بدون جذور: الغرب، النسبوية، المسيحية، والإسلام". ومع أن الكتاب قد ترجم هذا العام إلى الإنجليزية، إلا أنه يضم محاضرة مطوّلة للبابا ألقيت في البرلمان الإيطالي عام 2004، بعنوان "الجذور الروحية لأوروبا عبر التاريخ"، وكذلك حواراً بينه وبين رئيس البرلمان الإيطالي السابق "مارسيلو بيرا" حول نفس الموضوع. لذلك فحين نشبت الأزمة الحالية إثر تصريحات البابا التي استفزت المسلمين والمسيحيين وغيرهم على قدر سواء، عدت مرة أخرى لأقرأ أفكاره مجدداً، وأقارن بينها وبين المحاضرة التي ألقاها البابا حول نفس الموضوع على المجمع الكاردينالي في أبريل 2005، قبيل انتخابه من قبل نفس المجمع لمنصبه الجديد. تتمحور آراء البابا بنديكت السادس عشر، حول نقطة رئيسية هي أن أوروبا قد فقدت هويتها الثقافية، خاصة هويتها المسيحية. فالعدد الهائل للمهاجرين الجدد إلى القارة خلال القرن الماضي، وانتشار "العلمانية" بشكل واسع، جعلا المجتمع الأوروبي منفتحاً على جميع الأديان بشكل متساوٍ. وجعل الفرد يشعر بأنه لا توجد حقيقة مُطلقة، بل هناك حقائق وقيم متعددة، وأن جميع الأديان والثقافات تحمل في جوانحها مُثل الخير والمحبة والسلام، سواءً كان ذلك في الديانة المسيحية، باختلاف مذاهبها، أو في الديانة الإسلامية، أو غيرها من الديانات. مثل هذا الموقف الأخلاقي من تساوي القيم والثقافات، وعدم سمو إحداها على الأخرى، وبالتالي القول إن الحقيقة ذات طابع نسبي، ظهرت أول مرة في كتابات علماء الأنثروبولوجيا ثم ما فتئت تنتشر في صفوف المتعلمين والعامة لتصبح مذهباً جديداً للتعايش الحضاري بين البشر. ولاشك أن موقف البابوية من "النسبوية" ومعاداتها لها ليس موقفاً جديداً، فالبابا السابق يوحنا بولس الثاني انتقد هذه المدرسة بشكل صريح قبيل وفاته. ولكنه انتقدها ضمن إطار ديني بحت، معتبراً أن الإنسان لا قيمة له دون الاعتماد على الخالق (جل وعلا) وعلى قوانينه السماوية. كما انتقد سن بعض القوانين الخاصة بالعائلة في البلدان الأوروبية التي تسمح فيها الدولة للمستشفيات والأطباء بأن يمارسوا الإجهاض المبكر للأجنة، إذا ما رغب الوالدان أو أحدهما في ذلك. كذلك فإن انتقادات البابا السابق لم تكن لها أبعاد "رسّية" أو "شبه عنصرية" كما أنها ارتبطت بقوانين داخلية وبالسلوك الأخلاقي للأفراد في أحوالهم الشخصية والعائلية. أما النقد الجديد الذي يطرحه البابا بنديكت السادس عشر وأتباعه من المحافظين من الساسة الأوروبيين من أمثال "مارسيلو بيرا" في إيطاليا، فإنه ينبع من عدم السماح للمثقفين الأوروبيين بنقد المجتمع الأوروبي وقيمه وقادته السياسيين. فهذا "بيرا" السياسي اللامع في حزب "تحالف الشمال" الذي تزعمه برلسكوني، منذ عام 1994، يقول إن بعض المفكرين الأوروبيين والأميركان قد تمادوا في نقدهم لمجتمعاتهم وسياساتهم. فهذا نعوم شومسكي يصف الولايات المتحدة بوصف شنيع، ويسميها "الدولة الإرهابية الأولى". وهذا الكاتب البرتغالي "حخوزيه سارامنجو" يقارن شارون بهتلر، ويقارن الإسرائيليين وسياساتهم بالنازيين (ص 88 – 89 من نفس الكتاب المشار إليه آنفاً). وها هم الكتاب والصحفيين لا يستطيعون المساس بالتوراة أو بالديانة اليهودية، أو بالقرآن أو الديانة الإسلامية، ولكن يمكنهم أن يكتبوا أو أن يشتموا بملء أفواههم نبياً هو عيسى (عليه السلام)، أو أن يتجنّوا على الديانة المسيحية وقيمها. ومثل هذا الأمر بالنسبة لـ"بيرا" أمر عظيم ينمُّ عن مرض عضال في الثقافة الأوروبية، يرتكز على مقولة التعدد الحضاري والثقافي الذي أتت به الهجرات البشرية المختلفة في العصر الحديث إلى القارة الأوروبية. وقبول هؤلاء المهاجرين بثقافاتهم وقيمهم التي قد تغاير القيم "الأصيلة" للمجتمعات الأوروبية. ويتفق البابا مع في حواره مع "بيرا" على أن "العلمانية" قد أقصت القيم المسيحية من الحياة العامة للأوروبيين. وأن هذا الإقصاء كان واضحاً في البلدان الكاثوليكية الجنوبية، بينما لم تتعرض البلدان البروتستانتية الشمالية مثل ألمانيا أو إسكندنافيا أو بريطانيا لمثل هذا التوجه. لأن الصلة الوثيقة بين الدين والكنيسة من ناحية والدولة من ناحية أخرى في هذه البلدان قد أخذت بعداً تاريخياً منذ عهد حركة الإصلاح المسيحية في القرن السادس عشر إلى الوقت الحاضر. ويرى البابا أن حركة التنوير في البلدان اللاتينية الجنوبية قد دفعت بالعقل والعلم ليحلا محل التديُّن والإيمان الذي جاءت به الكنيسة الكاثوليكية لهذه البلدان. كما أن مثقفي هذه البلدان قد سعوا بطرق شتى إلى إقصاء الدين من الحياة العامة، وجعلوها جزءاً من الحيز والفضاء "العاطفي" والأخلاقي للأفراد. ومع ذلك فإن الدين بقي في هذه البلدان بشكله الرمزي، وفقد اندفاعه السياسي والثقافي في هذه المجتمعات. ويكيل البابا المديح تلو المديح للثقافة الأميركية، مع أنه يأخذ عليها اهتمامها التاريخي وحصرها في ثقافة "الواسب" والتي تعطي دوراً رئيساً للأفراد المنتمين إلى المذهب البروتستانتي وهو يقول إن أميركا استطاعت أن تستوعب الدين في سياستها الخارجية، ويرى ذلك أمراً إيجابياً. وهنا يظهر الطرح الرئيسي للبابا، باعتباره جزءاً من حركة إحياء ديني وثقافي (وربما أيضاً) سياسي، تحاول أن تبث روحاً جديدة في المجتمعات الأوروبية. ويقوم طرحه على إعطاء الكنيسة دوراً مهماً في الحياة العامة، عبر ما يسمى بـ"الدين الاجتماعي" بحيث لا يرتبط الأفراد بالضرورة بالطقوس الدينية، ولا تقيد القوانين الحكومية بقيد كنسي، أو كهنوتي، ولكن يُعاد بث الروح الدينية في صفوف الأفراد والمجتمعات وتتطبع السياسات العامة، وحتى السياسات الخارجية للمجتمعات الأوروبية، بروح الثقافة المسيحية. ومثل هذا الطرح برز أول مرة في القارة العجوز، حين طرحت اللجنة المكلفة بكتابة أول دستور أوروبي موحّد مسودة ذلك الدستور، والذي أخذ عليه حينئذ اهتمامه بالجوانب الروحية والدينية للمجتمعات الأوروبية. ومثل هذا المنطلق الدستوري يعتبر مغايراً للدساتير الأوروبية التي نصت موادها، منذ الثورة الفرنسية، على فصل الدين وشؤون الكنيسة عن الدولة وقوانينها وشؤونها العامة. وهكذا فإن النقد البابوي الذي انتهجه البابا الجديد قبل توليه زمام الكنيسة وقيادتها، كان يرى عدم "التأدب" مع الثقافات الأخرى، وعدم مساواتها في المكانة والامتيازات مع الثقافة المسيحية، وأن تحظى هذه الثقافة بدعم الدول والمجتمعات الأوروبية وتحتل ثقافة وركيزة أحادية لهذه المجتمعات. ومثل هذه النظرة المنغلقة ضد الثقافات والأديان الأخرى لم تحظَ بقبول داخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها، ناهيك عن المجتمعات الأوروبية. ولذلك فحينما تبجَّح البابا بما تبجح به، فإن ذلك كان من منطلقات إيديولوجية ورسِّية (عِرقية) تبلورت عبر سنوات، وأخذت زخماً جديداً خلال الثلاث أو الأربع سنوات الماضية التي شهدت أحداث سبتمبر، وتفجيرات لندن ومدريد، وما صاحبهما من خوف من إسلام مسيَّس. وبدلاً من أن يحمل البابا المشعل الروحي لتوجيه الناس ويحمل تعاليم الكنيسة في السلام والمحبة والوئام، فإنه ولأسباب سياسية وثقافية، تنصّل من ذلك، وقاد حملة شعواء ضد "النسبوية" والتساوي بين الحضارات والثقافات، وتعددها، وأدان "التأدب السياسي" في الحديث عن الحضارات والثقافات التي تختلف مع الثقافة والديانة المسيحية. ومثل هذا الطرح "شبه العنصري" يفقد القائد الروحي للكنيسة المكانة الروحية والمثال الأعلى الذي كان يتميزّ به، ويجعله أقرب إلى ذهن العامة ومنطلقاتهم، وتحجرهم الأيديولوجي والثقافي. وهكذا فإن رد الفعل السلبي الذي قوبلت به تصريحات البابا الاستفزازية يمكن أن يكون وقوداً روحياً لحملة جديدة لتطهير المؤسسات الدينية والمجتمعات من النظرة الرسِّية (العِرقية) الضيقة، وإبعاد الدين وقيمه السماوية عن الاعتبارات والمصالح السياسية، فمثل هذا الدمج يقود إلى هجين متفجّر. Classifications Comments and Actions Present in Collection Proofed. Originally received in RAPIDBrowser on Thu 21 Sep 2006 22:23 GST This item was derived from: د صالح عبد الرحمن المانع//السبت//23-9-2006(غير محرر)