أثارت الإشارات السلبية المتحيزة ضد الإسلام في المحاضرة التي ألقاها بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر في جامعة ريجنسبيرج حفيظة المسلمين عن حق في مشارق الأرض ومغاربها. ولم تنفع محاولات التخفيف من آثارها بالطرق الدبلوماسية التقليدية وبالأعذار النمطية بأنها فهمت خارج سياقها، وأنها قد أسيء فهمها، فالعيب في القارئ وليس في الكِتاب. ورفض البابا الاعتذار عما قاله وتأسَّف لرد الفعل السلبي عند المسلمين وكأن العيب فيهم وليس فيه. فزاد الطين بَلة. والحقيقة أن ما قاله البابا، وهو أستاذ جامعي سابق، يتنافى مع أبسط نتائج العلم والمعرفة بتاريخ الحضارات، وما استقرت عليه الأحكام. كما ينافي أبسط قواعد المنهج العلمي الذي يتباهى به الأوروبيون منذ ديكارت واضع المنهج العقلي، وبيكون واضع المنهج التجريبي وهو "الحياد"، وعدم البداية بأحكام مُسبقة، والوضعية، وعدم اجتزاء الحقائق، والبحث العلمي المجرَّد، أي النزاهة العلمية، وعدم استعمال العلم لتبرير مواقف سياسية مُسبقة. والخطأ في هذه الإشارات في المنهج والنتائج. إذ يقوم المنهج على الانتقاء الجزئي، وليس على الإحصاء الشامل لعلاقات الحضارة الإسلامية بالحضارة الأوروبية، وليس الإسلام بالمسيحية. فكلاهما حضارتان. فاختيار حوار دار بين البابا إمانويل الثاني مع مسلم فارسي مجهول في القرن الرابع عشر الميلادي في أتون الحروب الصليبية والعدوان على المسلمين أرضاً وثروة وحضارة وعلماً تشويهٌ متعمدٌ لصورتهم لتبرير العدوان عليهم كما يحدث الآن في وصفهم بـ"الإرهاب" والعنف لتبرير احتلال العراق وأفغانستان والشيشان وكشمير. وهو تيار مستمر في الحضارة الأوروبية. روّج له التبشير والاستشراق، وكما فعل الأب "لامانز" تبريراً للتبشير، نقل المسلمين إلى دين أفضل، ولتبرير الاستعمار، نقل المسلمين إلى حضارة أرقى. ومنهج الانتقاء يقوم على اصطياد أسوأ ما في حضارة ورد الكل إليه إذا كانت النية سيِّئة، أو انتقاء أفضل ما في حضارة ورد الكل إليها إذا كانت النية حسنة. وهو ما يوقع في الجدل البغيض، وضياع العلم في سوق السياسة. والمنهج الموضوعي الشامل محايد، يأخذ الكل ولا يرده إلى أحد أجزائه. فهناك الفيلسوف "أبيلار" في القرن الثاني عشر تلميذ المسلمين الذي كتب "حوار بين يهودي ومسيحي وفيلسوف"، ويعني بالفيلسوف المسلم الذي أصبح نموذج الفلسفة أي إعمال العقل في الإيمان. بل إنه بيَّن تناقض أقوال البابوات في كتابه "نعم ولا" كما يفعل علماء الحديث في نقد الروايات وعلماء الأصول في "التعارض والترجيح". وهناك الجدليون أيضاً في القرن الحادي عشر الذين أثبتوا تحت تأثير المسلمين تناقض العقائد المسيحية وعدم اتفاقها مع العقل. وعند العالمين بالديانات المقارنة لا يوجد برهان عقلي في المسيحية على التثليث، فالتجسد سر إلهي. كما لا يوجد برهان عقلي في اليهودية على الاختيار والعهد وأرض الميعاد. فتلك إرادة الله. اختار الله بني إسرائيل بمحض مشيئته، وليس بناء على إيمان به أو طاعة لأنبيائه أو ممارسة للفضيلة. الإسلام وحده الذي أقر اتفاق العقل والنقل، وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول. ودعوة القرآن صريحة للتعقل والتفكير والتدبر والمطالبة بالبرهان. وكتب ابن سينا وابن طفيل قصة "حي بن يقظان" لبيان اتفاق العقل والوحي، الفيلسوف والنبي على نفس الحقائق: وجود الله، وخلق العالم، وخلود النفس. وتتعدد لحظات التاريخ. فلماذا لم يذكر البابا الرشدية اللاتينية وأثر العقلانية عند ابن رشد في نشأة العقلانية في العصر الوسيط المتأخر عند "سيجر البرابنتي" وأنصاره من النصارى واليهود؟ لماذا لم يذكر حضارة المسلمين في الأندلس، غرناطة وقرطبة وأشبيلية وطليطلة، العصر الذهبي للفلسفة اليهودية. ومازالت تفخر به أوروبا عامة وأسبانيا خاصة؟ ولماذا لم يذكر ابن ميمون واسبينوزا والعقلانية اليهودية تحت أثر المسلمين؟ ولماذا لم يذكر العلم العربي الذي ترجم إلى اللاتينية مباشرة أو عبر العبرية، مناظر ابن الهيثم التي وراء العلم الجديد لجاليليو، وطبيعيات الكندي التي هي وراء الكيمياء الحديثة؟ وهناك مئات الدراسات العلمية عن أثر الحضارة الإسلامية على النهضة الأوروبية الحديثة مثل "شمس الإسلام تشرق على الغرب" للمستشرقة الألمانية زيغريد هونكه، مواطنة البابا نفسه. والعالِم المتخصص باللاهوت المقارن لا يقول إن مشيئة الله في الإسلام ليست مُطلقة. فلا يوجد إله في كل الأديان إلا إذا كانت صفاته مُطلقة، ولكن رحمته تسبق عدله، ورحمته وسعت كل شيء فيغفر لمن يشاء. كما أن العالِم بعلم الكلام الإسلامي يعلم أن المعتزلة قالوا بالواجبات العقلية مثل الخلق والتكليف. فالأخلاق قائمة كي تسيِّر أمور الحياة. وقوانين الطبيعة مطردة حتى يعيش الإنسان في عالم موثوق به. أما ادعاء أن الإسلام انتشر بحد السيف فهو تكرار حكم شائع وصورة نمطية. القصد منها تشويه صورة الإسلام واتهامه بالعنف و"الإرهاب". لقد انتشر الإسلام في مناطق سادها صراع مرير بين الفرس والروم. وأنهك الشعوب المستعمرة من الطرفين. فجاء الإسلام قوة جديدة لفض النزاع بين الإمبراطوريتين، وتحرير الشعوب المستعمرة، وإقامة السلام بين الشعوب. ولقد استدعى المقوقس حاكم مصر العرب لتخليصه من ظلم الرومان. وقد اعترف توماس أرنولد في كتابه الشهير "الدعوة إلى الإسلام" أن الإسلام انتشر في أفريقيا في القرون المتأخرة وهو في أضعف لحظاته. ويعلم المؤرخون أن الإسلام انتشر في جنوب شرق آسيا في ماليزيا والملايو والفلبين عن طريق التجارة والمصاهرة. فالإسلام لا يفرق بين الشعوب "كلكم لآدم، وآدم من تراب". ولا يعرف نقاء الجنس والعرق واللون الذي عرفته الحضارة الأوروبية بشقيها اليهودي والمسيحي. والجهاد في الإسلام كما يعلم المختصون دفاع شرعي فقط وليس عدواناً على أحد. (لا إكراه في الدين). المبدأ العام أي إقرار حرية العبادة لجميع الشعوب والعيش في سلام بينها. أما آيات الجهاد فإنها الاستثناء في حالة العدوان على المسلمين (أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير). والإسلام ينتشر الآن في أوروبا وأميركا بمبادئه وأخلاقه وليس بسيوفه وجيوشه. وكيف يُقال إن كل ما أتى به الإسلام شرير ولا إنساني، والإسلام رسالة خلقية للعالم "إنما بعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق"؟ الدين معاملة، وعدم إيذاء للناس، وإماطة الأذى عن الطريق "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه". لذلك أعجب المسلمون بأخلاق أفلاطون وأرسطو وسقراط وجالينوس وأبوقراط. وكتب مسكويه "تهذيب الأخلاق". ودونت عدة رسائل في الشرق والغرب عن "الأخلاق في القرآن". كما ظهر ذلك في التصوف الخلقي وفي الأساس الأخلاقي للعبادات والمعاملات. وقد انتشر الإسلام في الغرب بسبب أخلاقه، قيمه وفضائله ومعايير سلوكه كرد فعل على حضارة الانحلال والموت الحديثة في الغرب. أما فيما يتعلق بموقف الإسلام من اليهود والنصارى وباقي الديانات فقد اعترف الإسلام بهم جميعاً. وقد خلق الله البشر شعوباً وقبائل، ولكل منها جعل شرعة ومنهاجاً للتعارف والإثراء المتبادل وليس للتحارب والتقاتل وعدوان بعضها على بعض آخر. وقد أبدع الفقه القديم مصطلح "أهل الذمة" أي من يعيشون في ذمة المسلمين وفي حمايتهم وليسوا مواطنين من الدرجة الثانية. كما أبدع الفقهاء المعاصرون فقه المواطنة، ومساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات أمام القانون بصرف النظر عن دينهم وطائفتهم. وأن قانون الاستحقاق، الجزاء من جنس الأعمال، قانون عام للناس جميعاً. أما أن الإسلام لم يأتِ بجديد فهذه عظمته وأنه إقرار بما دعا إليه الأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى، وما دعت إليه الشرائع الثلاث، بل ما دعت إليه الفطرة البشرية التي أقرها الحكماء وشرعها حِلف الفضول، نصرة المظلوم وأخذ حقه من الظالم. شريعة موسى ومحبة عيسى كلاهما طريقان صحيحان يقرهما الإسلام. والإسلام هو الاختيار الحُر بينهما. الإسلام تصديق لكل الأنبياء والرسل. ما ذكر منهم أو لم يذكروا. والمسيح نفسه لم يأتِ بجديد "جئت لا لأنقض الناموس بل لأكمله"، إكمال الشريعة بالأخلاق. إن الذي يريد الحوار بين الأديان لا يذكر ما يفرقها بل ما يوحِّدها مثل دعوة الأديان جميعاً للمحبة والأخوة والسلام. ولقد خصصت الكنيسة الكاثوليكية جزءاً من مؤسساتها واهتماماتها لذلك. وإذا كانت أول آية في إنجيل يوحنا التي يذكرها البابا "في البدء كانت الكلمة، وكانت الكلمة مع الله، وكان الله هو الكلمة" فإنها تشبه الحديث القدسي "أول ما خلق الله خلق العقل. فقال له أقبل فأقبل. أدبر فأدبر. وعزتي وجلالي ما خلقت إليَّ أعز منك"، ووصف الإسلام السيد المسيح بأنه "كلمة الله وروح منه"، ووصف مريم بأنها سيدة نساء العالمين. يبدو أن البابا يدفع بالكنيسة الكاثوليكية التي تمثل غالبية المسيحيين إلى تيار محافظ، معادٍ للإسلام والمسلمين، أسوة بما يحدث في الولايات المتحدة لدى المحافظين الجدد وامتداداً له. وقد ألقى البابا محاضرته في 12 سبتمبر 2006 وكانت حوادث 11 سبتمبر 2001 في نفس الذكرى وبنفس النتائج. ويتفق ذلك مع صعود اليمين في الغرب، في أوروبا والولايات المتحدة بالرغم من نجاح يسار الوسط في السياسة الإيطالية مما يدل على أن الكنيسة خارج العصر. والقصد اتخاذ الإسلام كعدو بديل عن الشيوعية. والعنف عام وشائع في المسيحية في الصراع بين البروتستانت والكاثوليك في أيرلندا الشمالية وقتل الأبرياء في تفجيرات الجيش الجمهوري الأيرلندي، وموجود بين الكاثوليك والكاثوليك في بلاد الباسك على الحدود بين فرنسا وأسبانيا. والمذابح بين البروتستانت والكاثوليك في العصور الحديثة مثل مذبحة "سانت بارتلمى" أشهر من أن تذكر، والعنف بين الهندوس والتاميل في سيريلانكا، والجريمة المنظمة في الولايات المتحدة الأميركية أي العنف المدني وليس الديني، وعنف المافيا في جنوب إيطاليا. والقصد من ذلك كله في النهاية إثارة الاتجاه المحافظ عند المسلمين ودفعهم إلى العنف لأنه يعلم مدى تمسكهم بتراثهم وثقافتهم. فيظهر المسلمون على أنهم يرفضون الآخر ويأسف لذلك وليس لنفسه. كما أن الغرض هو التغطية على قضاياهم السياسية واحتلال أوطانهم في فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير وتصوير النزاع في بلادهم على أنه نزاع ديني وليس صراعاً سياسياً. إن محاضرة البابا في جامعة ريجنسبيرج "الإيمان والعقل والجامعة... ذكريات وتأملات" لا تتحمل التعرض لهذه الإشارات إلى الإسلام. هي خارجة على الموضوع في أي حكم لجنة علمية عليها. وتنتهي إلى مواعظ تقليدية عن أهمية الإيمان ضد العقل الوضعي. وهو ما لا يستدعي الهجوم على إيمان الآخرين. هذا ليس سجالاً دينياً بل هو نقد علمي من أستاذ جامعي إلى أستاذ آخر، بصرف النظر عن المناصب في المؤسسة الدينية.