مرت سنوات خمس على زلزال الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتغير العالم كثيراً، وكان نصيب المنطقة العربية من هذه التغيرات كبيراً، سقط النظام القمعي في العراق، وها هو الديكتاتور العراقي وزبانيته يحاكمون أمام القاضي العراقي، وتنقل الفضائيات وقائع الجلسات بكل حرية. هل كان متصوراً قبل 11/9 أن ترى رئيساً عربياً يحاكم أمام القضاء العربي وتنقله الفضائيات لملايين البشر؟! وتلاشى كابوس "طالبان" الذي جثم على صدور الأفغان لمدة (5) سنوات، وخرجت الأفغانية من سِجنها لتشارك في خدمة بلدها وتنميته بعد الخراب الذي خلفه "طالبان". وتهاوت أوكار "القاعدة" وفرّ "أمير المؤمنين" وضيفه زعيم "القاعدة" إلى الكهوف، وخرجت سوريا بجيشها من لبنان، ولم يكن ذلك ممكناً لولا تداعيات 11/9! ثم كان هذا الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي الذي تشهده المنطقة العربية، وكانت ثماره تمكين المرأة العربية وبخاصة في الخليج، من تفعيل دورها السياسي والتنموي في المجتمع، ووصولها إلى مناصب قيادية في معظم الدول الخليجية، وكل ذلك لم يكن ليتحقق لولا كارثة 11/9! وهذا الحوار الوطني السعودي الذي أتاح المجال لكافة الأطياف الدينية والسياسية والاجتماعية، من المشاركة وقبول الآخر، لم يكن متاحاً لولا زلزال سبتمبر! في الساحة الخليجية الآن، حركة فاعلة نحو إعادة النظر في المناهج الدراسية، وفي الخطاب الديني السائد، بهدف تنقيتهما من فيروسات التعصب التي دفعت بعض أبنائنا إلى أحضان الجماعات الإرهابية التي جنّدتهم لارتكاب أعمال إجرامية ضد مجتمعاتهم وأوطانهم، وما كان ذلك ليفعَّل لولا عدوان سبتمبر! نعم، تغير العالم وتغيرت المنطقة العربية وتغيرنا، إلا شيئاً واحداً لم يتغير، ذلك هو "العقلية الخرافية" التي ترى أن وراء (11/9) مؤامرة أميركية- صهيونية لاجتياح العالم الإسلامي! لا زال قطاع كبير من الجماهير العربية وحتى على مستوى النخب السياسية والفكرية، يؤمن بأن "الموساد" و"الاستخبارات الأميركية" هم من دبروا اعتداءات 11/9، كذريعة للانقضاض على العالم الإسلامي، وأن أسامة بن لادن وأتباعه بريئون منها لأنهم لا يملكون القدرة الفنية على فعل ذلك! يكفي فقط للتدليل على رسوخ العقلية الخرافية في النفسية العربية وبخاصة الدينية، أن إماماً كبيراً مشهور بالوسطية، وقف ذات يوم خطيباً فقال: "إن أميركا تعلم علم اليقين ذلك، لكنها تحشد للقضاء على المسلمين بدافع صليبي حاقد". ترى من أين للشيخ هذا اليقين؟! ولماذا تضرب أميركا أفقر دولة إسلامية؟! لا زال الشيخ وأتباعه وكثيرون وعلى مختلف المستويات، على هذا اليقين! ولم يستطع مرور السنوات الخمس ولا كثرة الاعترافات والتحقيقات والأدلة، أن يزحزح قناعة هؤلاء ببراءة "القاعدة" من اعتداءات سبتمبر، وأن ذلك من فعلة "الموساد" لا غير. وأذكاهم من يقول: حسناً، ذلك من فعلة "القاعدة"، ولكنها مخترقة من قبل "الموساد" الذي جنّد بعض أبنائنا المتطرفين وغرّر بهم، ففعلوا ما فعلوا وهم لا يشعرون بأنهم ينفذون مخططاً صهيونياً أميركياً ضاراً بالإسلام والمسلمين! والعجيب أن هذا الرأي يعتنقه بعض كبار القادة الأمنيين في المنطقة وبعض الخبراء العسكريين! ومن دلائل هذه العقلية الخرافية، انسياق بعض الصفوة الفكرية والدينية لترديد ترَّهات البطولة والشجاعة لمنفذي هذا العمل الإجرامي! وإذا كان أصوليو لندن دأبوا في سنوات سابقة قبل طرد زعيمهم، على الاحتفاء بهذه المناسبة، بـ"غزوة منهاتن" تحت شعار "العظماء التسعة عشر"، وأنهم "فتية آمنوا بربهم"، عبر مُلصقات ملونة تصور المنفذين التسعة عشر، فأي مبرر يمكن التماسه لتصريح الأستاذ جمال البنا -وهو العقلاني الإسلامي الكبير- إذا صحَّ ما نقله د. شاكر النابلسي -وأرجو ألا يكون صحيحاً- من مباركته لجريمة 11/9 -نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم" 10/9/2006- وقوله: "إن الذين ارتكبوا كارثة 11/9 هم (أشجع الشجعان)، وإن هجومهم الانتحاري الهمجي على برجي نيويورك وقتلهم (3) آلاف من الأبرياء، كان (أداءً رائعاً)، من مجموعة شباب الخليج ومصر الذين كانوا يرون تساقط الدول العربية واستسلامها لأميركا، وكانوا يشهدون الأوغاد الأميركان يمرحون ويبرطعون في الأرض المقدسة، ففكروا في طريقة لإعطاء أميركا درساً بطريقة فريدة لم تسبق، وهداهم تفكيرهم إلى خطة ما كان يحلم بها أكثر المخرجين السينمائيين الأميركيين، وأن يدمروا الازدهار والخيلاء الأميركية". السياسة - 16/9. وهكذا تنقسم العقلية العربية بين عقلية تستبعد قدرة "القاعدة" على الفعلة الإجرامية، وعقلية تبدي إعجابها وتمجيدها لعبقريتها! ولتحيا العقلية الخرافية!