وصل "جونيشيرو كويزومي" إلى السلطة عام 2001 واعداً بـ"تدمير" حزبه الحاكم (الحزب الديمقراطي الليبرالي)، وعبره النظام المتحجر لمرحلة ما بعد الحرب في اليابان. والواقع أنه أفلح إلى حد مذهل في ذلك –وإن ليس إلى الحد الذي كان يطمح إليه. وبالتالي، فعندما سيتقاعد كويزومي، البالغ 64 عاما، في السادس والعشرين من سبتمبر، سيكون قد ترك بصماته على اليابان بحكومة مركزية أصغر، وإيمان أكبر بالأسواق الحرة، وحضور أقوى على الساحة الدولية. غير أن رؤيته ليابان جديدة أثارت ردود فعل مناهضة في أوساط اليابانيين الذين يعتقدون أنه دمر، إلى جانب الجوانب السيئة، الكثير مما كان جيداً في اليابان القديمة. ومع ذلك، فلئن كانت سياساته غير شعبية، فقد استطاع الحصول على معدلات تأييد مرتفعة من الناخبين اليابانيين التواقين إلى زعامة قوية وكاريزمية. فرغم أن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وسياسيين آخرين، عانوا كثيراً بسبب تأييدهم للحرب في العراق، فإن كويزومي- الذي مازال يعرب إلى يومنا هذا عن تأييده القوي للحرب- ظل في منأى عنها. سيتقاعد كويزومي إذن ومعدلات تأييده الشعبي تناهز الخمسين في المئة، لتكون بذلك الأعلى التي يحظى بها أي رئيس وزراء ياباني في مرحلة ما بعد الحرب، ربما لأن الناخبين يعتقدون أنه قد وفى بما قطعه على نفسه من وعد في اتجاه زعزعة اليابان القديمة، وأن أمر قيادتهم إلى يابان جديدة سيكون رهيناً بمن سيخلفه. ومن الواضح أنه لن تكون ثمة عودة للطرق القديمة، وذلك بغض النظر عمن سيُنتخب زعيماً لـ"الديمقراطيين الليبراليين" اليوم الأربعاء، ومن سيُختار رئيسا للوزراء الثلاثاء المقبل. وفي هذا الإطار، يقول "بارك شول هي"، الخبير في السياسة اليابانية بجامعة سيئول الوطنية: "لقد غير كل شيء جذرياً بخصوص السياسة اليابانية"، مضيفاً "سيتعين على رؤساء الوزراء المقبلين أن يتبعوا نهجه. ولا أعتقد أنه يمكنهم العودة إلى زمن التعويل على الجماعات الضاغطة والبيروقراطيين. ذلك أن الجمهور سيتوقع منهم اتخاذ مبادرات سياسية حقيقية. فالأمور تغيرت جوهرياً". وقد اعتمد كويزومي إصلاحات اقتصادية مؤلمة بالرغم من المعارضة من داخل حزبه. وفي مقدمة هذه التغييرات تحرير القطاعات الاقتصادية، وإصلاح النظام البنكي، وخفض الإنفاق العمومي الضخم، وهو ما ضمن لحزبه أصواتاً انتخابية لعدة عقود. غير أن العديد من الخبراء يرون أن انتعاش الاقتصاد الياباني إنما يعود الفضل فيه كذلك، إن لم يكن أكثر، إلى قيام الشركات الخاصة بإعادة هيكلة نفسها، وطفرة التجارة مع الاقتصاد الصيني الصاعد بقوة. وبصرف النظر عن حجم مساهمة كويزومي في هذا الجهد، فالأكيد أنه شدد أكثر من أي أحد آخر على ضرورة أن تتغير اليابان. إذ عرفت اليابان في العقود قبل انتخابه تعاقب زعماء ضعفاء على السلطة لا يعرفون كيف يقودون البلاد لإخراجها من حالة الجمود التي كانت تغرق فيها. أما كويزومي، فقد كان صريحاً، إذ قال لليابانين في أحد أشهر شعاراته أن يتوقعوا "أن تكون الإصلاحات البنيوية مرفوقة بالألم"، مضيفاً أنه سينفذ "الإصلاحات البنيوية دون استثناءات". وعلى نحو فاجأ الجميع تقريباً، أكسبه كلامُه الصريح والمباشر تأييداً واسعاًَ بين اليابانيين. وفي هذا السياق، يقول "تاكيشي ساساكي"، أستاذ العلوم السياسية بجامعة "غاكوشوين" ورئيس جامعة طوكيو السابق، "لقد جرت العادة أن يكون رؤساء الوزراء اليابانيون عاجزين عن ممارسة الزعامة. غير أن كويزومي مارسها بكثير من الحزم وجرب العديد من الأمور الجديدة ، أمورٌ لم يكن رؤساء الوزراء يقولونها أو يقومون بها قبل اليوم". كما عمل كويزومي على توسيع إصراره وعزمه ليشمل السياسة الخارجية؛ حيث أولى أهمية كبيرة لتحالف اليابان مع الولايات المتحدة بعد عِقد بدأت فيه الشكوك تحوم حول قيمة هذا التحالف. كما دفع باتجاه تبني قانون جديد سمح بإرسال قوات إلى العراق في مهمة لإعادة الإعمار، في خطوة اعتبرها العديد من اليابانيين تتناقض مع روح دستور البلاد المسالم. وقال كويزومي خلال زيارة للرئيس بوش إلى اليابان في نوفمبر من العام الماضي: "كلما كانت علاقتنا مع الولايات المتحدة جيدة، كلما كان من السهل بالنسبة لنا أن ننسج علاقات جيدة مع الصين وكوريا الجنوبية ودول آسيوية ودول أخرى في العالم". غير أن كويزومي تسبب في بلوغ علاقات اليابان مع الصين إلى أسوأ أحوالها منذ عقود، كما تزعم صعود مشاعر قومية ضيقة داخلياً وعزلة اليابان الدبلوماسية في المنطقة، وذلك بسبب زياراته السنوية لمزار ياسوكوني، الذي يضم أضرحة قتلى الحرب اليابانيين من بينهم مجرمو حرب. ومما يذكر أن العديد من أسلافه حرصوا على تفادي زيارة هذا المكان، الذي يُعتبر رمزاً للحكم الياباني الكولونيالي في المنطقة. ويرى المنتقدون أن كويزومي وظف المعارضة الخارجية لزيارة المزار لحشد المشاعر القومية بين اليابانيين، الذين فقدوا ثقتهم في أنفسهم بسبب الركود الاقتصادي الطويل وأضحوا خائفين من صعود الصين. لقد وصلت علاقات اليابان مع جيرانها، ولاسيما الصين، إلى توتر حاد إلى درجة أن الساسة والخبراء في واشنطن بدأوا العام الماضي يعبرون عن قلقهم من أن تُلحق سياسة كويزومي الأذى بالمصالح اليابانية والأميركية في آسيا. غير أن تقرب كويزومي الصريح من الرموز القومية من قبيل ياسوكوني أكسبه وحزبه أصواتاً انتخابية، وهو درسٌ يبدو أن خلفه المحتمل، شينزو آبي، أمين عام الحكومة، قد استوعبه جيداً. نورميتسو أونيشي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "نيويورك تايمز" في طوكيو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"