انتهت نقاشات ندوة "توطين الوظائف ومكافحة البطالة في دول مجلس التعاون: التحديات والحلول"، والتي انعقدت في البحرين خلال يومي السبت والأحد من هذا الأسبوع، كما هي العادة دون أن تتوصل سوى إلى توصيات بإلزام القطاع الخاص بالتوطين وإلى أهمية تعديل دول الخليج المناهج التعليمية والتدريب المهني لديها، لأنها السبب الرئيسي لمسألة البطالة، رغم أننا نعاني من البطالة حتى في الوظائف التي لا تحتاج إلى تعليم، مثل المهن الحرفية. وأتصور أنه يمكن لأي قارئ أن يتخيل تلك النتيجة التي ظهرت عليها ندوة المنامة، قبل أن يقرأ المقال بل إن البعض توقعها قبل أن تبدأ الندوة. ما ناقشته الندوة لم يكن خارج المألوف، وبعض المحاضرين كان يكرر أن الحاصل على أرض الواقع كان قد حذر منه قبل سنوات، أي أن الأمر أصبح مجرد استرجاع التحذيرات والتوصيات واجترارها من دون الانتقال إلى خطوة العلاج الاستئصالي للمشكلة. وعلى هامش الندوة ذكر البعض أنه لو أن كل مسؤول يطلق تصريحات بشأن هذه المشكلة يحاسب على وعوده وتصريحاته، فإن وزراء العمل الخليجيين هم أول من يدرج على قائمة الاتهام من قبل العاطلين عن العمل، وذلك على خلفية الوعود التي يطلقونها. المشكلة تتعقد، والعاطل عن العمل تضيع سنوات من عمره، والمسؤولون يتبادلون الاتهامات حول المعدلات الصحيحة للبطالة، والكل يبذل جهداً في تشخيص المشكلة رغم أن أعداد العاطلين عن العمل في تزايد وأعداد العمالة الوافدة تتدفق إلى هذه الدول. لكن لا أحد يفكر في حل المشكلة بشكل جدي. هذه بعض الآراء التي طرحت خلال الفعاليات؛ فالسياسات غير الجادة هي التي تضيف المزيد من العاطلين عن العمل، ولهذا لم يعد أحد يحرص على متابعة ندوات ومعارض التوظيف والانتظار بما ستخرج به، فانتشرت قناعة بين الشباب العاطل بأن الأمر تضييع للوقت وإلهاء للمواطنين عن القضية الأساسية. ستتغير الآثار السلبية المعروفة والمرافقة مع تزايد معدلات البطالة في دول "التعاون" وصعوبة إيجاد حلول لها، هذه حقيقة أقر بها الجميع، فلن يقتصر الأمر على الفقر وتدني المستوى المعيشي، بل سيمثل قنبلة اجتماعية عالية الخطورة في حال انفجرت في ظرف ملائم. أسلوب معالجة البطالة في دول مجلس التعاون، ينبغي له أن ينتقل من التشخيص إلى العلاج، فالظاهرة كانت غير دورية وغير منتظمة الظهور، الآن تحولت بسبب تراكمها إلى ظاهرة مستمرة ومتواصلة ومتنامية، مما يخلق فعليا شريحة سكانية جديدة تتميز بتهميشها اجتماعياً، فهي قوى وثروة مهدرة، وبالتالي هناك احتمال، ولو ضئيل، لأن تصبح هذه الشريحة بيئة مثالية للعنف أو على الأقل خلق بؤر توتر اجتماعي. صحيح أن هناك محاولات لحل مشكلة البطالة ولكنها- حتى الآن- عقيمة وعاجزة عن تغيير هذا الواقع المر الذي تمثل فيه العمالة الوافدة نسبة أكبر، وهي مفارقة غير موجودة سوى في دول الخليج، حيث البطالة بين مواطنيها في حين سياسات استقدام العمالة مشرعة والقطاع الخاص يتعامل مع هذه المشكلة من منطلق أن وظائفه غير متاحة للمواطن طالما أن هناك أجنبياً يمكن توظيفه بأجر أقل. فباستمرار محاباة القطاع الخاص وقبول أعذاره، ومعظمها واهية، يكون الأمر في النهاية حقاً مكتسباً لهذا القطاع لا يمكن التنازل عنه مستقبلاً. الكل يرشح مشكلة البطالة لتصبح التحدي الخليجي الأخطر، والبعض يرى أن الأمر سيكون له تبعات سياسية واجتماعية. ورغم أن إحصاءات البطالة لا زالت في اعتقاد وزراء العمل الخليجيين الذين حضر بعضهم الندوة، مغلوطة وأنها مبالغ فيها بشكل كبير، والسبب غياب البيانات الدقيقة، إلا أن التزايد السكاني يحتاج إلى إيجاد فرص عمل جديدة واقتصادات قادرة على توفير هذه الفرص، لتدارك العجز المتراكم في معالجة المشكلة. هناك إقرار، ضمني بين المسؤولين الخليجيين، برغم تنوع الآراء بين ممثلي الحكومات الخليجية والقائمين على القطاع الخاص، بوجود مشكلة البطالة وأنها تتطلب حلولاً جذرية واضحة للتقليل من الآثار السلبية لتفاقم هذه المشكلة، وهناك اتفاق عام مماثل بأنه لا توجد دولة خليجية، كثيرة أو قليلة السكان، بأفضل حال من دولة أخرى، فالكل يعاني من المشكلة... فقط بنسب متفاوتة ولأسباب مختلفة.