بعد محادثات شاقة ومكثفة حول الملف النووي الإيراني ستواجه الولايات المتحدة وباقي القوى الدولية خلال اللقاء المرتقب للجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة هذا الأسبوع خيارين كلاهما لا يبعث على التفاؤل. الخيار الأول يتعلق بطرح مشروع قرار على مجلس الأمن يقضي بفرض عقوبات على طهران، رغم أنه قد لا يكون حازماً بما يكفي لدفع طهران إلى التخلي عن برنامجها النووي. أما الخيار الثاني، فسيكون تأخير الإجراءات العقابية لبعض الوقت ما قد يفرغ الجهود الدبلوماسية من محتواها لتصبح دون تأثير حقيقي. وإزاء هذا الوضع لم يكن أمام الإدارة الأميركية ومعها القوى الأخرى المشاركة في المحادثات -روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا- سوى تغيير استراتيجيتها وسلوك نهج آخر. وبالرجوع قليلاً إلى الوراء نجد أن الأطراف الدولية الستة المنخرطة في المحادثات مع إيران، سبق وأن اقترحت على طهران في شهر يونيو الماضي حزمة من الحوافز غير قابلة للنقاش في محاولة لإقناعها بالتخلي عن برنامجها النووي. وكان الشرط واضحاً إذ لن تكون هناك أي مفاوضات ما لم تجمد إيران أولاً برنامجها لتخصيب اليورانيوم. لكن يبدو أن الدول الست مستعدة لتقديم تنازل أساسي يقوم على مقاربة ذات مسارين متوازيين. فهي تسمح لخافيير سولانا المسؤول الأوروبي الأعلى للشؤون الخارجية بإجراء مفاوضات مفتوحة مع الجانب الإيراني مشروطة بتعليق التخصيب، وفي الوقت نفسه، تبقي احتمال فرض العقوبات من قبل مجلس الأمن قائماً. وفي هذا الإطار اجتمع خافيير سولانا مع كبير المفاوضين الإيرانيين علي لاريجاني مرتين خلال الأسبوع المنصرم، ومن المقرر أن يجتمعا مجدداً في مباحثات أخرى يوم الأحد المقبل بنيويورك، حسب ما أفاد مسؤول في الإدارة الأميركية. وضمن هذا الإطار، صرح دبلوماسي أوروبي يوم الجمعة الماضي قائلاً: "هنالك ما يشير إلى احتمال إدراك إيران ضرورة إحراز التقدم على مسار المفاوضات، ونحن نريد أن نجلسهم إلى طاولة المفاوضات من خلال ترك الباب موارباً في وجههم". ورغم أن التغيير الذي مسَّ استراتيجية إدارة الرئيس بوش والدول الست المفاوضة يبدو في الأعراف الدبلوماسية ضئيلاً وغير ذي بال، فإن اعتماد مقاربة المسارين تؤشر على تحول جوهري في موقف الإدارة الأميركية تجاه الملف الإيراني بعدما اصطدمت بواقع الخيارات المحدودة المتاح أمامها. وترجع محدودية الخيارات إلى التعقيد الذي ينطوي عليه الملف النووي الإيراني، فبعدما كثفت الولايات المتحدة في خريف 2003 من ضغوطها على حلفائها الأوروبيين لإحالة إيران إلى مجلس الأمن تمهيداً لفرض عقوبات عليها، ثم ما لحق ذلك من تهديد كل من روسيا والصين باللجوء إلى إشهار حق "الفيتو"، قررت فرنسا وبريطانيا وألمانيا أنه ربما من الأفضل عقد صفقة مع إيران تبعد شبح عقوبات مجلس الأمن عن إيران في مقابل تعليق هذه الأخيرة برنامجها لتخصيب اليورانيوم، خاصة وأنه يعتبر الخطوة الأولى على طريق صنع القنبلة النووية. ومع أن مياهاً كثيرة جرت تحت الجسر منذ ذلك الوقت، إلا أن إيران مازالت تواظب على تخصيب اليورانيوم غير آبهة بالمطالب الدولية. ومرة أخرى يبدو أن إدارة الرئيس بوش تستعد لطرح مقترح آخر لفرض العقوبات على طهران، لكنه من غير المرجح أن تنجح الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون في إقناع روسيا والصين بتأييد مقترح العقوبات. وحتى في حال فرض العقوبات فإنها لن تكون حازمة بما يكفي لكسر الصمود، أو تكبيدها لخسائر كبيرة. وإذا ما أصرَّت الولايات المتحدة والدول الأوروبية على إنزال عقوبات رادعة بإيران فستعارض الصين وروسيا هذا الخيار ما قد يعرض التحالف الغربي الهش أصلاً إلى التداعي والانهيار. ولعل هذا الاحتمال هو ما يفسر إبقاء الولايات المتحدة باب المفاوضات مفتوحاً مع طهران رغم انقضاء مهلة 31 أغسطس التي حددتها في وقت سابق لتعليق إيران تخصيبها لليورانيوم. والأكثر من ذلك دفعت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بقوة في اتجاه إقناع الرئيس بوش وأركان إدارته بضرورة القطع مع سياسة واشنطن القائمة على رفض الدخول في أي مفاوضات مباشرة مع الجانب الإيراني، والتي استمرت لأكثر من ثلاثة عقود. والحال أن إيران كانت دائماً تسعى إلى فتح قنوات الاتصال والتفاوض مع الولايات المتحدة حول أي موضوع بحثاً عن اعتراف أميركي بنفوذها الإقليمي المتنامي وقبول هيمنتها الإقليمية. ومع كل تلك المحاولات رفض الرئيس بوش الاجتماع بالرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الذي سيزور نيويورك للمشاركة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبالنسبة للرئيس بوش فإن موقفه واضح من المفاوضات مع إيران، حيث صرح يوم الجمعة الماضي في مؤتمر صحفي مؤكداً "لقد كنت واضحاً مع النظام الإيراني فنحن سنجلس معهم إلى طاولة المفاوضات فقط إذا قاموا بتعليق برنامج التخصيب بشكل قابل للمراقبة، وأنا أعني ما أقول". إلى ذلك سيتجنب كل من "نيكولاس بيرنز" وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ووزيرة الخارجية نفسها الالتقاء بعلي لاريجاني لكن دون الابتعاد تماماً عن أجواء المباحثات التي ستجرى مع خافيير سولانا. وفي إطار المشاورات بين الأطراف الستة المشاركة في المفاوضات مع إيران سيعقد وزراء خارجية الدول الأوروبية اجتماعاً يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين لمناقشة الملف الإيراني. ويعكف الدبلوماسيون الأوروبيون في هذه الآونة على دراسة مدى جدية العرض الذي تقدم به علي لاريجاني حول استعداد بلاده لتعليق تخصيب اليورانيوم لمدة شهرين، ومنح فرصة أمام استئناف المفاوضات. ويقول الدبلوماسيون إنها ليست المرة الأولى التي يتقدم فيها لاريجاني بمقترحات لتعليق تخصيب اليورانيوم يتم نقضها لاحقاً ما يدل على وجود انقسام داخل بنية النظام الإيراني بين من يريد الانفتاح على الحوافز الغربية وبين من يفضل الاحتفاظ بمواقف إيران المتصلبة. هيلين كوبر ــــــــــــــــــــــــــــــــ محررة الشؤون الخارجية في "نيويورك تايمز" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إيلين سيولينو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسلة "نيويورك تايمز" في باريس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"