يتصرفُ كلُّ الأطراف في المشرق العربي وكأنهم يخشَون السلام والاستقرار أكثر مما يخشون الحرب والخراب. السيد حسن نصرالله لا يريد نزع سلاحه، ويستعدُّ للحرب (دونما أين وكيف)، ويعتبر الجميع ما عدا العماد عون وسليمان فرنجية أعداءَ له أو على خلافٍ شديدٍ على الأقلّ. ولذلك فالأَهْوَنُ عليه الدخول في الحرب من جديد (من أجل العزِّ والكرامة)، بدلاً من النظر في إمكان تسويةٍ داخليةٍ مع جماعة 14 آذار أو 14 شباط لا فَرْق! والرئيس بشار الأسد الذي يعرض التفاوُضَ سراً على الولايات المتحدة وإسرائيل، يُصرُّ في خطابه الشهير على أنَّ الحلَّ في المقاومة، لأنَّ التسويةَ ماتت. وحركة "حماس" تجادل منذ أكثر من ثلاثة أشهر في مسألة حكومة الوحدة الوطنية، رغم الحصار والموت، وتقول إنّ الكرامةَ أعزُّ عليها من الحياة المهينة، ومن السلام الخانع. والرئيس السوداني عمر البشير يهدّد الأمم المتحدة بالويل والثبور وعظائم الأمور إن أصرَّت على إرسال قوات دولية، ويذهبُ إلى أنّ الموتَ خيرٌ من الذُلّ. والظواهري يتهدد الولايات المتحدة بالكفاح "الاستشهادي" الأبدي، دونما إيمانٍ بسلامٍ من أي نوعٍ كان معها. وإسرائيل، نعم إسرائيل، تريد الحرب أيضاً، لأنّ الإصغاء إلى نداءات السلام يعني إظهار الحكومة الحالية بمظهر الضعف تُجاه الفلسطينيين، كما ظهرت تُجاه "حزب الله"؛ ولذلك الهروبُ إلى الأمام هو أهمُّ وسائل علاج الموقف! وحتى أولئك الذين بدأوا يتحدثون عن ضرورة العودة إلى الشرعية الدولية، وإلى القرار 242، يبدون مترددين. السيد عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية يعطي في "اللاورقة" التي تقدم بها للأُمم المتحدة مُهلةَ سنةٍ للتفكير في مبادرة السلام والعودة للتفاوُض، سنة تهدأُ فيها قعقعةُ السلاح من سائر الأطراف! بينما كان المتوقَّعُ منه أن يعرض أو يطلبَ فورية العودة إلى مبادرة السلام الشامل وعلى كل المسارات، وبآلياتٍ يمكنُ التفكيرُ فيها في مدة أقصر بكثير من هذه المهلة التي تبدو بمثابة تمديدٍ لحالة الحرب والثَوَران. أمّا الأميركيون فيبدون شديدي الحماس للحرب أو الاضطراب على الأقلّ. فقد تحدثوا لأكثر من شهرٍ الآن عن ضرورة مكافحة "الفاشية الإسلامية". وعندما فاجأهم العربُ والأوروبيون بالحديث عن السلام والسلام الشامل، بدوا شديدي التردد، واعتبروا متابعة الحرب أسهل من محاولة أو تجربة السلام! ولهذا الخوف من السلام أو التسوية أسبابُهُ الموضوعية والنفسية. وقد يكون سببهُ الأول التجارب الماضية، والتي فشِل فيها السلام، وضاعت التسوية. فبدلاً من الدخول في" السلام الشامل" كما نصّ عليه القرار 242 لعام 1967، جرى الدخول بعد حرب عام 1973 في مساراتٍ منفردةٍ مع مصر ثم مع الفلسطينيين والأردنّ. وعندما انعقدت مدريد جَرى الإصرار على الوفود المنفردة تحت الغطاء الشامل، وما أنجزت مدريد شيئاً غير تأجيل الانفجار لعدة سنوات. ثم جاءت إدارة بوش الابن، مع توقف كل المسارات، وجاء فرضُ الحصار على العرب، وإنشاب الحرب على الإرهاب، وشيوع التفجير في كلّ مكان. ولهذا لا يبدو أحدٌ اليومَ متفائلاً بإمكان تصحيح المسار، والعودة إلى التسوية الشاملة أو محاولة السلام الشامل. وبخاصةٍ مع نشوب الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وتهديد الطرفين أحدهما للآخَر بالحرب والإضرار الشديد في شتى المجالات. وقد دفعت الأجواء السائدةُ المسدودة إلى تحريك الجبهة في الجنوب اللبناني، واستمرار كل طرفٍ على سلاحه؛ بحيث لا يأمُلُ أحدٌ أن تكون الأجواء مهيَّأة لمحاولةٍ جادّةٍ من أجل تغيير الوجهة المتردية للأمور. بيد أنّ الخوفَ من "التسوية" له أسبابُهُ الأُخرى غير الفشل الماضي. فبسبب الصراع المزدوج أو المثلّث (بين الأميركيين والإيرانيين، وبين الأصوليين والأميركيين، وبين الأنظمة والأُصوليين) لا يريد طَرَفٌ التظاهُرَ بالضَعف أو التنازل حتى لا يطمعَ فيه خصمُه. الأميركيون هم الذين بدأوا تجربة القوة، وقد فشِلوا في كل مكان. لكنهم لا يستطيعون الاعتراف بذلك حتى لا تطمع فيهم إيران، وحتى لا يخيبوا على مشارف الانتخابات النصفية. والأصوليون بفلسطين ولبنان لا يستطيعون ذلك لأنهم قادةُ الاتجاه الراديكالي، وما حصلوا على اعترافٍ بعد من الأميركيين أو الأنظمة؛ بحيث يعتبرون أنهم يحصلون على شيء في مقابل شيء آخر. ثم إن "حماس" مربوطة جزئياً بسوريا وإيران؛ و"حزب الله" مربوط بإيران كلياً، ولكلا الطرفين حسابات خاصّة ومصالح أخرى، لا تنحصرُ بالسلام وأهميته للاستقرار وأمن الناس. والأنظمة العربية، التي هي الطرف الوحيدُ المَعْنيُّ بالتسوية، لا تريد التظاهُرَ بذلك حتى لا تُعتبر مُفرِّطةً بالحقوق أكثر مما كان في سنوات الحصار الأميركي الماضية. ويبقى سببٌ شديدُ الأهمية من الناحية النفسية، كما سبق القول. فالجمهور العربي في حالة هياجٍ كبير؛ وبخاصةٍ بعد الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل. فقد ثبت الحزبُ في الحرب ولم ينهزم؛ وأحدث ارتباكاً في القيادة العسكرية والقيادة السياسية بالكيان الصهيوني. ولذلك فإنّ الجمهور ما عاد يقبلُ بسهولةٍ الحصولَ على الحقوق من طريق المفاوضات. فالمفاوضات تعني تنازُلات متبادَلة، وما عاد عند العرب شيء يمكن التنازُل عنه. والتجاربُ السابقةُ تدلُّ على ذلك. بالأمس خطب السيد حسن نصرالله فتحدَّث عن الكرامة وعن السيادة وعن النصر، في مواجهة أولئك الذين يتحدثون عن إعمار المساكن وعن الأمن وعن الاستقرار (وهو يقصدُ بذلك رئيس الحكومة اللبنانية الذي يدعو للعودة لاتفاقية الهدنة). وتحدث السيد إسماعيل هنية عن إمكان تكوين أو تركيب حكومة الوحدة الوطنية، فأكَّد على انتصار "حماس" في الانتخابات، وعلى عدم الاعتراف بإسرائيل، وعلى ضرورة حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه كاملة. فالتسوية أمرٌ مرذول، والآلام يمكنُ تحمُّلُها وبخاصةٍ أنه مضت عليها عقودٌ وعقود، والكارثةُ حصلت، ومسألةُ "تحديد الخسائر" أو التقليل منها ما عادت أموراً ممكنة. ثم ما معنى الحديث عن الحلّ العادل للقضية الفلسطينية؟ الضفة الغربية وغزة والقدس العربية، كلُّها لا تزيد على 22% من مساحة فلسطين التاريخية، وهي مزروعةٌ فضلاً عن ذلك بالمستوطنات. فأين العدلُ حتى لو قامت الدولة الفلسطينيةُ على أراضي غزة والضفة الغربية وبدون المستوطنات ومع الأحياء العربية من القدس؟! وكيف بالعدل وهذا الحدّ الأدنى متعذر الحصول والتصوُّر؟ لكنْ هناك بوادرُ وأماراتٌ تحتاجُ إلى تطويرٍ وتشجيع. ففي فلسطين، ورغم الانقسام القاسي بين "فتح" و"حماس"، ما تطور الأمر إلى نزاعٍ داخليٍ رغم أنَّ الطرفين مسلَّحان. وهذا كسْبٌ كبيرٌ إن أمكنَ تطويرُهُ من خلال حكومة الوحدة الوطنية بفلسطين يبعثُ على التفاؤل، وبدء الخروج من حالة الانقسام والجمود. فالشعب الفلسطيني يثبت على وحدته وجبهته منذ خمسين عاماً، وهو باقٍ عليها رغم كلَّ دواعي وتداعيات الغزو الإحلالي الصهيوني. ونحن في لبنان، ورغم الخلاف مع "حزب الله" منذ سنوات، ورغم الحرب الأخيرة التي عمَّ خلالها الخراب، باقون على التوحُّد الداخلي، والقوة الداخلية، والتضامُن في وجه العدوّ، وفي وجه الفتنة. وقد دخل الجيش اللبناني للجنوب بعد حوالي الأربعين عاماً من الغياب(!)، وأمكن بحكمة الرئيس السنيورة، وتماسُك عزيمته، الوصولُ إلى وقف الحرب، ووقف الحصار، وبدء الإعمار. وبالإدارة السياسية الأكثر حزماً وعزماً واستنارة، يمكن تجنُّب المأزق الداخلي، والالتفات للبناء الداخلي في وجه الحربين: الإسرائيلية والسياسية. والعرب يبدأون بالخروج من الحصار الأميركي، ومن فقد الثقة بالنفس والقُدُرات. وإذا كان الراديكاليون قد أظهروا إقداماً في مواجهة إسرائيل، فإنّ أهلَ التهدئة والتنمية والاستقرار، يستطيعون البناءَ على تلك الجرأة، لطرح السلام الشامل من منظور المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت عام 2002. ولا ينبغي أن ننتظر الموافقة الأميركية أو الترحيب الإسرائيلي أو صفاء النية السورية. فهذه أمورٌ تأتي تباعاً عندما تنطلقُ المبادرةُ، ويلتفُّ من حولها العربُ والأوروبيون. ذلك أنَّ الغياب عن "الساحة" يُثير مطامح ومطامع "ملء الفراغ" من جانب دول الجوار، ومن جانب دول الهيمنة. وبالهجوم على الوطن العربي أو المشرق العربي، لا يخسرُ الأميركيون أو الإسرائيليون بالدرجة الأولى؛ بل نحن العرب نكون ونظلُّ أكبر الخاسرين. فالخوفُ من التسوية، خوفٌ من المستقبل، وتسليمٌ بأنّ مصائرنا ليست بأيدينا. وهذا يسُدُّ باب الأمل، ويدفعُ الجمهور أكثر باتجاه الراديكالية والراديكاليين.