بالرغم من الإنجازات المتفرقة التي حققتها القوات الدولية التي تحارب متمردي "طالبان" جنوب البلاد، إلا أن عدداً من المحللين الأفغان والأجانب هنا لا يخفون قلقهم من أن تكون مبادرة السلام التي أُطلقت مؤخراً بصدد إفراز نتائج عكسية، وأن تؤدي إلى جر المليشيات الأفغانية إلى النزاع اللهم إلا إذا تم إخمادها بسرعة وتم استبدالها بالمزيد من المساعدات والحماية. فقد أعلن "الناتو" والجيش الأميركي هذا الأسبوع أن عملية عسكرية مكثفة قاما بها على مدى أسبوعين ضد "طالبان" في إقليم قندهار شكلت نجاحاً تكتيكياً؛ حيث قُتل خلالها أكثر من 500 متمرد وتم إرغام آخرين على الانسحاب. كما أعادت القوات الأفغانية والأجنبية سيطرتها على منطقة بإقليم هلمند كانت قد وقعت تحت سيطرة "طالبان" مرتين. والواقع أن جيوب التقدم هذه على ساحة المعركة ليست سوى جزء من "خريطة سياسية" أكبر وأكثر ضبابية. ففي وقت بدأت فيه مليشيات أفغانية أخرى إعادة تسليح نفسها، تصاعدت التوترات العرقية وزادت حدتها، وهو ما يقوي شبح عودة النزاع الأهلي الذي عصف بالبلاد في أوائل التسعينيات. من جهة أخرى، لم تلقَ الدعوة التي صدرت عن قائد قوات "الناتو" والتي عبَّر فيها عن الحاجة إلى المزيد من الجنود حتى الآن سوى رد إيجابي واحد صدر عن بولندا التي عرضت المساهمة بـ1000 جندي. ويرى المسؤولون العسكريون في أفغانستان أنه يتعين على القوات الموالية للحكومة أن تنتصر في المناطق الحساسة بسرعة، وتبدأ في توزيع المساعدات وتوفير الأمن، إنْ هي أرادت وقف تراجع تأييد الرأي العام لها. وفي هذا الإطار، يقول مسؤول عسكري غربي رفيع المستوى: "لا يمكننا أن نواصل خوض ما لا يُحصى من المعارك من دون تحقيق شيء"، مضيفاً: "لقد قتلنا العديد من عناصر طالبان، غير أن أعدادهم لا يبدو أنها تقل؛ فمقابل كل واحد نقتله، نكون قد خلقنا عائلات جديدة تكنُّ لنا الكراهية". وقد أعلن الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف في الخامس من سبتمبر الجاري عن عقد اتفاق سلام مع قوات "طالبان" المحلية التي تنشط بالمناطق الحدودية من باكستان بمحاذاة مع الحدود الأفغانية. وفي اليوم التالي، قام بزيارة لأفغانستان من أجل الترويج للاتفاق والسعي لتخفيف التوتر مع الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، قائلاً: إن على الزعيمين العمل سوية من أجل محاربة "طالبان" والإرهاب. وبمقتضى اتفاق السلام هذا، تعهدت مجموعات "طالبان" في باكستان بالإحجام عن عبور الحدود ومهاجمة أفغانستان، غير أنه منذ الخامس من سبتمبر الجاري، تواصلت الهجمات على القوات الأفغانية والأجنبية بالقرب من الحدود الباكستانية. ويرى العديد من الأفغان أن اتفاق مشرف مع قوات "طالبان" في بلاده إنما هو محاولة للتخلص من مشكلة داخلية ودفعها عبر الحدود إلى أفغانستان. هذا ومن المرتقب أن يلتقي مشرف وقرضاي، كل واحد على حدة، مع الرئيس الأميركي جورج بوش في واشنطن هذا الشهر. ومما يذكر هنا أن إدارة بوش تدعم الرجلين بقوة وتتطلع إلى إصلاح علاقاتهما المتوترة؛ حيث قامت الولايات المتحدة، منذ إسقاط نظام "طالبان" في أفغانستان أواخر عام 2001، باستثمار كبير من حيث القوات والمال في محاولة لجلب حكم مستقر وديمقراطي إلى المنطقة في ما يشبه "مُصلاً مضاداً" للتطرف الإسلامي. وداخل أفغانستان، أمد استمرار الهجمات التي يشنها المتمردون المناوئون للحكومة واتساع رقعتها زعماء المليشيات العرقية في كل من الشمال والجنوب بتبرير لإعادة تنظيم نفسها مع إمكانية إعادة تسليح قواتها، التي تم تفكيك العديد منها بعد 2001 في إطار برنامج طموح رعته الأمم المتحدة. ففي الجنوب حيث يوجد "البشتون"، وحيث جنود الجيش وأفراد الشرطة الأفغانيين يتقاضون رواتب هزيلة، ويفتقرون إلى التجهيز الجيد، ويعانون الإنهاك بسبب المهام التي عليهم القيام بها في منطقة صراع كبيرة، سمحت الحكومة لقوات الشرطة المحلية بتشكيل ألوية مساعدة بالاستفادة من رجال المليشيات السابقين العاطلين عن العمل. وفي بعض الحالات، يهدد الزعماء القبليون بتشكيل قوات دفاع خاصة بهم. وفي كل من الشمال والغرب، ذي الأغلبية الطاجيكية والأوزبكية، يُقال إن شخصيات المليشيات الإسلامية السابقة التي حاربت القوات السوفييتية في الثمانينيات باتت تتحكم في الحياة اليومية بالعديد من المناطق. وبالرغم من برنامج جديد يقضي بنزع سلاح المنطقة وإحلال السلام بها، يقول مراقبون أفغان وأجانب: إن بعض القادة أضحوا يكتسبون مزيداً من القوة في وقت بات تهديد "طالبان" قريباً منهم والقرويون يبحثون عن حماة أقوياء لحمياتهم. ويقول دبلوماسي غربي، طلب عدم الإفصاح عن هويته: "يتساءل الناس في الشمال كيف يمكن أن نتوقع منهم أن ينزعوا أسلحتهم في وقت يعمل فيه الجنوب على تسليح نفسه"، مضيفاً أن الانقسامات العرقية في أفغانستان عميقة إلى درجة أنه في حال سقوط حكومة قرضاي، فإن الصراع الأهلي قد يُستأنف بشكل يكاد يكون فورياً. هذا وقد خاضت القوات البريطانية والكندية معارك طاحنة ضد "طالبان"، وتكبدت عدداً من الإصابات منذ أن تسلم "الناتو" من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة قيادة الجبهة الجنوبية في الحادي والثلاثين من يوليو الماضي. غير أن المراقبين العسكريين والدبلوماسيين لا يخفون قلقهم إزاء استعداد قوات دول أخرى من "الناتو" لتحمل ما يكفي من العبء. وفي هذا الإطار، يقول مراقب أجنبي "إن أموراً كثيرة تضع الناتو على المحك. إنها عمليتهم الأولى خارج أوروبا وتجربة مهمة بالنسبة لهم"، مضيفاً "أما إذا ساء الاقتتال، فقد يتساءل بعض الأعضاء عما إن كان الأمر يستحق الخطر. وقد يتساءل البعض لماذا عليهم تعريض حياة جنودهم للخطر في حين يجلس آخرون في أماكن مريحة وآمنة". باميلا كونستابل مراسلة "واشنطن بوست" في كابول ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"