لدى سماعي للحوار الدائر في إسرائيل في أعقاب الحرب اللبنانية الأخيرة، وددت أن أقول للإسرائيليين شيئاً واحداً: تماسكوا. فالشاهد أن إسرائيل تتصرف الآن كما لو أنها خسرت الحرب، وتود لو تمزق نفسها إرباً إرباً بما تجريه من تحقيقات وبما يلوح فيها من نذر انتخابات جديدة. ومن الواضح أن قدرات الجيش الإسرائيلي اللوجستية قد انهارت، بينما بدا أنها لم تكن على استعداد لخوض حرب عصابات مع "حزب الله"، بيد أنه دليل عافية وصحة أن يتيح المناخ الديمقراطي الإسرائيلي للمواطنين حق توبيخ قياداتهم على مثالب الأداء الحربي. وبالنسبة لأولمرت، فإن هذه الحرب لم تكن سهلة القيادة والمراس، لأنها كانت حول كل شيء ولاشيء في آن. فمن ناحية، لم يكن هناك ما يدعو "حزب الله" إلى شنّ هجومه العدواني على الحدود الإسرائيلية- اللبنانية المعترف بها دولياً في الثاني عشر من شهر يوليو الماضي، مع العلم أن ذلك الهجوم قد أسفر عن مصرع ثمانية من الجنود الإسرائيليين واختطاف اثنين منهم، وبهذا المعنى فقد كانت الحرب حرباً حول لا شيء. لكن وبسبب كونها حرباً حول اللاشيء تحديداً، فهي حرب حول كل شيء من الناحية الأخرى، كيف لا، وها هو "حزب الله" قد شن هجوماً لا مبرر له على إسرائيل، زاعماً فيه، بين ما يزعم، تحرير القدس، ومستخدماً فيه صواريخ وفّرتها له طهران التي تدعو إلى محو إسرائيل من الوجود؟ وعليه كان لزاماً على إسرائيل أن ترد عسكرياً وبحزم. ولدى أخذنا بكل المصاعب التي أحاطت بذلك الرد، فلابد من الإقرار في نهاية الأمر، بأن أولمرت قد تمكن من تدمير البنية التحتية العسكرية لـ"حزب الله"، وما صحب ذلك من تدمير مأساوي لا مفرّ منه لبيوت الشيعة من أتباع ومؤيدي "حزب الله"، مع العلم أن مقاتلي الحزب كانوا يندسون بينهم. وعلى رغم وحشية الرد الإسرائيلي، فإنه جاء حاملاً معه رسالة في غاية الوضوح، سلكت طريقها إلى حسن نصرالله. وليس أدل على بلوغ تلك الرسالة مرادها من قوله في لقاء أجرته معه قناة (NTV) اللبنانية: لو كنتُ قد علمت في الحادي عشر من يوليو أن تلك العملية ستشعل نار الحرب، هل كنت سأنفذها؟ قطعا كلا. ليس ذلك فحسب بل إن نصرالله لم يعد نفسه غانماً بتلك الحرب، ولهذا السبب فإن علينا أن نسجل له أمانته. ومتى كان القادة العرب بكل هذا القدر من ممارسة النقد الذاتي؟ وكان نصرالله حينها يرد على تلك الأصوات اللبنانية الغاضبة: شكراً على توزيع مبلغ 12.000 دولار على الأُسر التي فقدت بيوتها أثناء الحرب. ولكن لو كان هذا المبلغ قد أنفق على بناء المدارس وإنشاء الوظائف الجديدة -بدلاً من هذه الحرب الطائشة الحمقاء- لكان حالنا أفضل كثيراً. والحقيقة أن نجاح كوندوليزا رايس ونظيرها الفرنسي إلى جانب الأمم المتحدة، التي تعاونت معهما، في تأمين قرار بنشر قوة دولية كبيرة في جنوب لبنان، يعد إنجازاً بالغ الأهمية في جبهتين اثنتين. أولاهما أنه وفيما لو نجحت هذه القوة -وأقول "فيما" مشدداً- فإنه لن يكون في وسع "حزب الله" توجيه ضربة مباشرة لإسرائيل، دون أن يورط نفسه في اشتباك مع قوة دولية قوامها 15 ألف فرنسي وإيطالي وهندي، وربما تركي أيضاً -من جنود حفظ السلام. وفي هذا ثمة معضلة استراتيجية كبيرة بالنسبة لكل من "حزب الله" وإيران وسوريا على حد سواء، فقد أضحى متعذراً عليهم إيذاء إسرائيل دون إيذاء علاقاتهم بالاتحاد الأوروبي. أما ثانيتهما وأكثرهما أهمية، فلها صلة بالسؤال: ما الذي تعلمناه خلال السنوات القليلة الماضية؟ أولاً: استحالة استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة وقطاع غزة ولبنان. ثانياً، إنه ليس في مقدور اللبنانيين ولا الفلسطينيين، السيطرة على مناطقهم الحدودية إثر أي انسحاب إسرائيلي، سواء نجم هذا الانسحاب عن اتفاق مثلما هو عليه حال اتفاقات "أوسلو"، أو انسحاب أحادي الجانب، مثلما هو الانسحاب الإسرائيلي الأخير من القطاع. ولهذا السبب فإن عملية السلام لم تكن طوال الفترة الماضية "أرضاً مقابل السلام"، بل كانت "أرضاً مقابل الحرب". ولدى انسحاب إسرائيل من قطاع غزة أو لبنان أو الضفة الغربية، فإنها لاشك بحاجة إلى وجود بنية أمنية يعول عليها في الجانب الآخر من حدودها، وهي ما يعجز اللبنانيون والفلسطينيون حتى الآن عن توفيره بمفردهم. ولهذا السبب فربما تقدم هذه القوة الدولية الجديدة المزمع نشرها في جنوبي لبنان، نموذجاً جديداً لمهام حفظ السلام بشراكة دولية/ أوروبية. وليس هذا النموذج من شاكلة النسج على المنوال القديم "الأرض مقابل السلام" أو "الأرض مقابل الحرب"، وإنما نسيج وحده، مما أطلق عليه أنا تسمية "الأرض مقابل الناتو". والمقصود بهذا أن انسحاب إسرائيل سيعقبه تأمين للحدود بواسطة قوة دولية -فيما يبدو ظاهرياً- إلا أنها تتبع لحلف "الناتو" في حقيقة الأمر. ويساعد هذا المكوِّن الأوروبي/ الناتو المزدوج، في إعطاء هذه القوة المصداقية التي تريدها إسرائيل، أما كونها تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة، فهذا هو ما يمنحها القبول في العالم العربي. ذلك هو ما قاله "شاشي تارور"، نائب الأمين العام للأمم المتحدة والمرشح لخلافة كوفي عنان، الحري بدعم واشنطن ومؤازرتها له. وعلى حد قول المنظِّر الإسرائيلي "يارون إزراحي"، فإن أمراً جللاً يحيط بهذه القوة، ينبغي على الأوروبيين فهمه. ويتلخص هذا الأمر في أن تحويل جنوب لبنان إلى منطقة عسكرية، يوفر الأمن لإسرائيل ويمنح لبنان سيادته ويجعل منه شريكاً دولياً فاعلاً في حفظ الأمن. وفيما لو تحقق ذلك، فإنه ربما يفضي إلى إبرام صفقة نهائية حول قطاع غزة والضفة الغربية مع إسرائيل. وعلى رغم كبر الطموح والأمل، ربما كان المعنى الوحيد لهذه الحرب اللبنانية الطائشة. توماس فريدمان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"