يكفي القول إنّ هناك تحولاً هيكلياً في أبوظبي يأخذ بالاعتبار تحقيق هدفين رئيسيين هما "توزيع الثروة"، وتحويل دور الحكومة المستقبلي ليكون "تشريعياً وإشرافياً وإسناد مهمة التنفيذ للقطاع الخاص"، ليصبح من الواضح أننا أمام حالة تنموية تثير اهتمام أي باحث أو دارس للتنمية في المنطقة، سواء كان ذلك من زاوية التنمية السياسية- الاجتماعية والإدارة العامة، أو من حيث التنمية الاقتصادية. ففي موضوع "توزيع الثروة" يدل تصريح الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس المجلس التنفيذي، في نهاية إبريل الماضي، أنّ برامج الخصخصة ذات مضمون اجتماعي سياسي اقتصادي مقصود لذاته، فسموه أكد كما جاء في الصحافة المحلية أن "برنامج خصخصة الشركات والمصانع ينطلق من رؤية واضحة تؤكد على ضرورة توزيع الثروة عبر توسيع قاعدة الملكية، ومشاركة القطاع الخاص في مشاريع مشتركة مع القطاع العام، وقد أسهمت هذه الرؤية في إحداث تغيرات جوهرية في مسيرة التنمية وينتظر لها المزيد في المستقبل". ويتضح أن رؤية التحول الهيكلي واضحة في ذهن المستويات المختلفة من المسؤولين ورجال الأعمال، فمثلاً يقول عضو مجلس أبوظبي للتطوير الاقتصادي، حسين النويس، في مقابلة مع جريدة "الشرق الأوسط"، نشرت مطلع يوليو الفائت، إن "القيادة السياسية في الإمارة تملك رؤية واضحة لما يجب أن تكون عليه الإمارة خلال الخمس والعشرين سنة القادمة"، وأنّه في سياق إعادة الهيكلة الاقتصادية، لتتحقق رؤية استراتيجية تتم عملية "إعادة هيكلة" في المؤسسات الحكومية، تجعل دور الحكومة في الجانب التشريعي والإشرافي، والتخطيط، مع جعل التنفيذ للقطاع الخاص. والواقع أن ما يجعل نموذج التحول في أبوظبي، والإمارات، وكذلك في أكثر من دولة خليجية، وإن بدرجات متفاوتة، نموذجاً خاصاً، أنّ هذا التحول نحو الاقتصاد الحر، لا يتم في سياق مشابه لما يسمى بالإصلاح في دول كثيرة حول العالم، فما يسمى بالإصلاح غالباً ما كان يتم بسبب ضغوط من اتجاهين؛ الأول داخلي، بسبب أزمات اقتصادية فرضت تحولات لجذب استثمارات خارجية ورؤوس أموال جديدة، والثاني، والأبرز، خارجي من قبل المؤسسات والجهات الدولية المقرضة والمانحة، وفق اشتراطات معينة. بالعكس من ذلك التحول في الحالة الإماراتية، وإلى حد ما الخليجية، يأتي بقرار ذاتي. كذلك فإن مسألة اجتذاب رأس المال الخارجي ليست حاسمة بسبب توفر رؤوس أموال محليّة، وهو ما يجعل بالإمكان التركيز على جعل الخصخصة توفر للمواطن وصغار المستثمرين، فرصاً استثمارية، تخدم المجتمع المحلي، دون الخوف من هيمنة الشركات الدولية الكبرى، فما يحدث في هذه الحالة هو تطور ذاتي مقصود مبني على تجربة سابقة وعلى إنجازات تراكمت على مدى عقود، ووفق أجندة واعتبارات وطنية داخلية، وبتدرج يتضمن تطوير مؤسسات مناسبة لترعى التحول، وفق خطوات متأنية، وما ينطبق من إشكاليات للخصخصة الاجتماعية والسياسية في حالات أخرى، لا ينطبق بالضرورة هنا. هذا لا يعني أن الصورة في مسيرة التحول ستكون وردية، أو أنّه لا توجد عقبات وصعوبات في أثناء التحول، أو أنّ هناك حصانة كليّة من الأعراض الجانبية ومن سلبيات تبرز في سياق الاقتصاد الحر، فهناك قطاعات اقتصادية ضخمة يبدو من الصعب، تركها للقطاع الخاص، في المدى المنظور، وهناك قطاعات ما زالت غير ناضجة لتركها لقوة السوق، من مثل الأسواق الاستهلاكية وقطاع الإيجارات،، ما يفرض استمرار تدخل ما للحكومة حتى تنضج ظروف وتشريعات تمنع ممارسات الاستغلال والاحتكار والإغراق وما إلى ذلك. لكن في المحصلة النهائية فإن عمليات توسيع قاعدة الملكية من خلال الخصخصة، وإعادة تعريف دور الإدارات الحكومية، تؤدي إلى تغيرات اجتماعية واقتصادية، يمكن الزعم أنّها في حالة مثل حالة أبوظبي، تتم وفق رؤية ذاتية مدروسة مسبقاً، خلافاً لحالات تحول تاريخي حدثت في دول تبنت الاقتصاد الحر في سياق تغيرات وتطور تلقائي أملته ظروف معينة، وخلافاً لحالات حدث فيها التحول الاقتصادي، بالدرجة الأولى، نتيجة لضغوط خارجية.