تبيّن من تسليم ما يُسمى "الجيش العراقي الجديد" إلى رئيس وزراء العراق، أن سيادة البلد على أراضيه وأجوائه ومياهه الإقليمية مؤجلة إلى أمدٍ غير محدد. وأتمنى أن يكون الشعور بالمهانة هو السبب الحقيقي للادعاء بوجود "خلاف فني" حول صياغة وثيقة التسليم. فمراسيم الاحتفال بالمناسبة تأجلت في آخر لحظة، ثم عُقدت فجأة يوم الخميس الماضي. وظهر خلال ذلك أن ثلاث سنوات من التدريب، ومليارات الدولارات من الإنفاق العسكري، لم يتمخضا سوى عن فرقة واحدة ناقصة التجهيز، ووحدة بحرية هزيلة، ووحدة جوية أكثر هزالاً. ويؤسفني القول إن تعَهُّدَ الجنرال أبي زيد، قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط، باستكمال تدريب الجيش العراقي خلال بضع سنوات، يشبه تعَهّدَ بطل الحكايات الهزلية جُحا بتعليم حمار الخليفة القراءة والكتابة. وإذا كان تعليل جُحا لتعهّده المستحيل بأن أحدهم، هو أو الخليفة أو الحمار، قد يموت خلال بضع سنوات، فإن الجنرال أبي زيد مطمئن إلى أن "الجيش العراقي الجديد" ليس له وجود أصلاً! فالفرقة الثامنة، التي احتُفل بتسليمها "لا ينقصها غير الماء والطعام"، حسب المثل العراقي الساخر. كشف عن ذلك تصريح قائد الفرقة العميد عثمان الفرهود بقوله إن الفرقة ما تزال تعوّل على قوة الحلفاء الجوية، وتحتاج إلى مساعدتهم في الدعم الطبي، والمستودعات العسكرية. وعندما سأله مراسلو الوكالات الأجنبية عن الوقت الذي تحتاجه الفرقة لتكون معتمدة على نفسها أجاب: "في رأيي تحتاج إلى وقت"! والعميد الفرهود يعرف تماماً عمّ يتحدث، فهو خرج لتوّه من تجربة قتالية كلفت فرقته 20 قتيلاً، وأوقعت في صفوف "جيش المهدي" خسائر في الأرواح بلغت 50 قتيلاً. ولعله يدرك أفضل من السياسيين ما مستقبل جيش عراقي جديد يستهل الصفحة الأولى من تاريخه بقتل هذا العدد من العراقيين. فولاء رئيس الوزراء نوري المالكي منقسم، حسب صحيفة "نيويورك تايمز" ما بين الجيش الرسمي، الذي يُفترض أن يقوده بحكم منصبه، و"جيش المهدي" الذي يعود لجماعة مقتدى الصدر، وهي قوة دعمه السياسية الرئيسية. وفي افتتاحية بعنوان "أيّ جيش عراقي؟"، طالبت الصحيفة الأميركية المالكي بالاختيار بين القوتين والكفّ عن الادعاء بأنه يمثل كلتاهما. ومع أن الصحيفة تعترف بأن الجيش العراقي الجديد "قصبة تهزها الريح"، فإنها تعتبر ولاء المالكي المزدوج مسؤولاً عن تزايد العنف. وتشير بهذا الصدد إلى وقوفه ضد تصفية الجيش العراقي لمعقل "جيش المهدي" في "مدينة الصدر". ولا أدافع هنا عن المالكي، فهو و"حزب الدعوة" الذي يمثله، مسؤولان أمام الله والوطن والأمة عن عواقب التعاون مع الاحتلال الأجنبي، لكني أسأل: أيّ جيش عراقي جدير بولاء العراقيين؟ قد نعثر على بعض الجواب في معلومات أدلى بها العميد "دانا بيتارد"، قائد الوحدة العسكرية الأميركية المسؤولة عن تدريب قوات حفظ الأمن العراقية. ذكر العميد "بيتارد" أن عدد الهاربين من الجيش في محافظة الأنبار بلغ نحو 5 آلاف عسكري، ويشكل هذا تقريباً نصف القوات المسلحة المعسكرة في الأنبار، والتي تُعتبر معقل المقاومة المسلحة في غرب العراق. وفي "الفرقة العاشرة" المعسكرة في محافظة ميسان، المحاذية لإيران في جنوب العراق رفض عشرات الجنود الامتثال لأوامر الالتحاق بالحملة العسكرية الأخيرة في بغداد. ولم يحرك الجيش، أو قوات الأمن ساكناً حين نُهبت موجودات قاعدة ميسان العسكرية التي يُفترض أن تسلمها لهم قوات الاحتلال البريطانية المغادرة. وهذه ليست أول مرة يرفض فيها جنود عراقيون تنفيذ أوامر التحرك. ففي عملية الهجوم على الرمادي لم يمتثل جنود "اللواء الثالث" في "الفرقة الثانية"، ومعظمهم أكراد لأوامر التحرك لدعم القوات الأميركية. ويدّعي المدرِّبون الأميركيون أن أداء العسكريين العراقيين لم يتحسن منذ البدء بتدريبهم قبل نحو ثلاث سنوات، وأنهم يعانون لحد الآن من مشاكل ضعف الانضباط، وازدواجية الولاء، والفشل في إنجاز المهمات، والميل إلى إطلاق النار عشوائياً في كل اتجاه عند أول إشارة للخطر. ولا يأمن الأميركيون أفراد القوات العراقية الجديدة، ويشكّون أحياناً بأنهم يسربون مُسبقاً خطط التفتيش لسكان المناطق المستهدفة بالحملات التفتيشية. حدث ذلك في منطقة العامرية في بغداد، التي تعتبر معقل المقاومة المسلحة، مع ذلك لم تثمر حملة التفتيش عن العثور على "إرهابي" واحد. وادّعى بعض السكان المحليين أن "الإرهابيين" اختفوا في اليوم السابق للحملة، وتوقعوا عودتهم للظهور حال مغادرة القوات الأميركية. وتزخر التقارير الميدانية بقصص مفارقة تمتزج فيها فكاهة العراقيين السوداء بلوعاتهم الدموية المريرة. من بين هذه القصص مواقف هزلية شاهدها مراسلو صحف أميركية شاركوا في حملة تفتيش برفقة العقيد غريغوري بيتز، قائد القوة الأميركية في منطقة الدورة؛ ففي الطريق إلى مقر الحرس الوطني، امتدح العقيد بيتز العميد عبدالكريم رحمن العزي قائد اللواء السادس، وأشاد بالانضباط العسكري الذي بثه في صفوف جنوده. لكن الصحفيين انتظروا ساعتين حتى يستيقظ العميد العزي من النوم، رغم علمه المسبق بموعد حضورهم. ولاحظوا خلال ذلك كيف يقف الجنود الأميركيون شاكي السلاح أمام سياراتهم العسكرية، فيما يتسكع الجنود العراقيون في الشارع، أو يتحلقون حول موقد الشاي. وذكر مجندان عراقيان شابان للصحفيين الأميركيين أنهم لم يتلقوا أيّ تدريبات على تفتيش البيوت باستثناء اليوم الأول من التحاقهم بالخدمة قبل سنتين. وسُرّ العقيد بيتز عندما جلب جنود عراقيون أربعة أشخاص ذكروا أنهم إرهابيون، وادّعوا أن فحص أصابعهم كشف عن ترسب مواد عبوات ناسفة تحت أظافرهم. وكشفت إعادة الفحص من قبل المجندين الأميركيين عدم صحة ذلك. وألقى العميد العزي باللوم على سوء برامج التدريب البريطانية والأسترالية، وأمر بقص القيود البلاستيكية من أيدي المعتقلين وصافحهم قائلاً: "أهنئكم بالحرية"! هذه التصرفات الهزلية تدل، حسب اعتقادي على مقاومة لاشعورية للاحتلال، ليس بالسلاح، بل بعدم الامتثال لأوامر المحتلين، وخداعهم. وقد سحقتني مشاعر متناقضة من الألم والبهجة والاعتزاز والغضب، أمام منظر دبابات الفرقة المدرعة العراقية الوحيدة المتبقية. ففي حين كان عراقيون مغتربون قادمون على الدبابات الأميركية منغمسين باختلاس ملايين الدولارات المخصصة للتسليح، كان مهندسون وفنيون عسكريون قدامى ينقبون في مخازن الأنقاض وميادين القتال المهجورة عن قطع غيار لدبابات وناقلات مدرعة مصنوعة في الاتحاد السوفييتي قبل نصف قرن. ولا أحد يضاهي الفنيين العسكريين العراقيين القدامى في قدرتهم على إدامة تشغيل آليات لم يعد لها وجود إلاّ في المتاحف. يعترف بذلك الخبراء العسكريون الأميركيون في معسكر "التاجي" الذي تحول إلى ورشة تصليح عملاقة لكل شيء، من علب تروس المحركات الروسية والصينية الصنع، وعجلات الدبابات، وصهاريج الوقود، وحتى الأنابيب الفراغية المستخدمة في الأجهزة الإلكترونية القديمة. وينشطر القلب شطرين ما بين دبابات جاثمة بهياكلها الثقيلة في "ساحة عنتر" في منطقة الأعظمية، وعبوات متطورة قادرة على نسفها. فكلاهما من صنع فنيين عسكريين عراقيين قدامى كانوا ولا يزالون ربما رفاق سلاح.