إن الضياع الذي تعيشه الأمة، خلق أجواءً من الشك وعدم الثقة بأغلب القيادات السياسية العربية على جميع مستوياتها. فالأجيال التي عاشت طيلة ربع القرن الأخير أو يزيد، لم ترَ إلا المهازل والمخازي، ولم تسمع إلا بأخبار الفضائح والهزائم، ولم تشعر إلا بالقلق والحيرة. لكن هذه الأزمة بلغت أشدها، عندما تنصلت هذه الحكومات من مسؤولياتها، بعد بروز التحدي الإسرائيلي الأخير، الذي تمثل في الحصار المهين على لبنان والتمادي في إذلال أعضاء الحكومة الشرعية في فلسطين. غير أن كل المحاولات الفكرية ونظريات علوم الاجتماع السياسي، عجزت عن تحديد هوية أغلب الأنظمة السياسية العربية، وتعيين النموذج القانوني أو الدستوري أو السيوسيولوجي الذي ينطبق عليها. ولكن الذين يدرسون أوضاع هذه الأنظمة يتنبأون لها بمستقبل عاصف بسبب عجزها عن التحكم بالمشاكل التي تواجهها وتتحداها، ولعدم قدرتها على التطور بسرعة تمكنها، على المدى القريب، من التغلب على هذه المشاكل وتجاوزها. ولكن ما السبيل للخروج من الحالة الحاضرة؟ من إطلاعنا على مجمل الآراء التي أبرزتها الأحداث الأخيرة في لبنان وفلسطين، التي تركت في النفوس آثاراً لا تمحى، يمكننا إيجاز المآخذ بالنقاط التالية: - أظهرت هذه الأحداث أن الهم الكبير، وربما الأوحد، لأغلب الأنظمة السياسية العربية، هو المحافظة على كراسيها، وأن تخاذلها في اتخاذ القرارات الجادة، ليس إلا انعكاس لنفسية تقوم على أسس بالية بعيدة كل البعد عن متطلبات العصر، ونتيجة حتمية لواقع أليم يتطلب تغييراً جذرياً. كما أن عدم تمكنها من إثبات وجودها في الفترات العصيبة، أدى إلى سيطرة "الشارع" بتحركاته وانفعالاته، على تبديل ميولها واتجاهاتها ومواقفها بين ليلة وضحاها، بغية مسايرة التحولات الميدانية، وكذلك خشيتها من الجهر بمعتقداتها وآرائها، ومشاريعها، إذا كانت مخالفة لميول "الشارع". كما أن هذه الأحداث أظهرت تباعداً كبيراً بين الشارع والسلطة، مما أفقد تلك الأنظمة هويتها وحيويتها. - تبقى المنطقة العربية مرتعاً خصباً لانتهاكات حقوق الإنسان، حيث تظل هذه المنطقة متأخرة في مجال تقنين حقوق الإنسان ضمن وثيقة دولية عربية إسلامية. فكل ما فعلته جامعة الدول العربية حتى الآن، أنها أنشأت لجنة عربية لحقوق الإنسان عقب حرب 1967، وذلك بناءً على طلب من الأمم المتحدة وليس بمبادرة عربية. والملاحظ أن كل الاتفاقيات والمواثيق وغيرها، في مجال حقوق الإنسان العربي، لم تشكل آليات كافية لبلورة هذه الحقوق وضمانها قانونياً. كما أن الشريعة الإسلامية التي تتضمن عدة حقوق فردية وجماعية للإنسان، وتوجد اتفاقيات ومنظمات من شأنها أن تحرص على تطبيق مبادئ الشريعة في هذا الشأن (منظمة المؤتمر الإسلامي)، أيضاً لا تحترم هذه المبادئ في معظم الأحوال، وبالتالي يمكن القول إنه ليس في العالم العربي والإسلامي ما يمكن أن نسميه بالشرعة العربية والإسلامية الوضعية العامة لحقوق الإنسان، خاصة إذا ما قارناه بالميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان، الذي يتضمن تطبيق مواده حق الفرد في تقديم شكوى ضد الحكومة في جو تذعن فيه السلطات لسيادة القانون وقرارات وأحكام المحاكم. - أما الجامعة العربية التي وجدت بهدف رخاء شعوب المنطقة وتشجيع التضامن والتعاون بينها، فإنها ملزمة، بطبيعة الحال، بمسايرة الأنظمة الحاكمة، والتي في الأغلب الأعم أنظمة غير ديمقراطية أو مخملية (متلونة)، تقمع الانتفاضات والحركات المطالبة بوقف الظلم أو المعاملة المهينة. أما الميثاق الذي ينظم العمل داخل الجامعة العربية، فيتأرجح بين الخضوع والاستقلال، بينما التصويت فلا زال عن طريق الإجماع. علماً أن هذا المبدأ كان يطبق من قبل عصبة الأمم مما تسبب في إعاقة ديناميتها وكان من أهم أسباب إخفاقها. ومن أجل تجاوز سلبيات هذا المبدأ، فقد نص ميثاق الأمم المتحدة على مبدأ الأغلبية في مسألة التصويت، لكن لا زالت الجامعة العربية تطبيق طريقة الإجماع، رغم أنها تعتبر هذه الطريقة أحد أسباب أزمتها. إن طبيعة ما جرى في الفترة الحرجة التي مر بها لبنان ومرت بها فلسطين أخيراً، والتي رآها الجميع بأم عينه، تركت آثاراً وصدى في كل بيت، وشعوراً عاماً بأن العدو يستخف بكل القواعد والمبادئ والحقوق، وليس طالباً للسلام. وبينما الغرب كان يشل عمل الأمم المتحدة دفاعاً عن عدوانه، انصرفت بعض الحكومات العربية إلى أمور تافهة ودخلت في معارك جانبية أنهكت قوانا ولم يستفد منها إلا التخلف الفكري والاجتماعي والسياسي. أما الحوافز الوحيدة التي حاولت الخروج بنا من الوضع الراهن إلى شيء جديد، فهي الأعمال البطولية التي خطتها المقاومة بالدم والدمع، وتسببت في فضح أسطورة العدو، وإزالة بعض الأقنعة. كما أحدثت تغييراً جذرياً في تفكيرنا وسلوكنا، حيث بشرت الأمة بولادة جيل جديد، يؤمن بحتمية انتصار الحق والعدل، وأن المجابهة دفاعاً عن الشرف والكرامة لا تخضع لعملية حسابية لعدة العدو وعدده.