في الحياة الدنيا إما أن تكون إنسانيا أو غير إنساني... لا خيار بين الموقفين. فالإنسانية تتطلب بل وتفرض على المنحاز إليها أن ينظر إلى الإنسان لذاته, كما هو... لا يهم لونه أو دينه أو مذهبه أو فكره أو جنسه. أن تكون إنساناً هناك متطلبات عليك تبنيها وتطبيقها في تعاملك مع الآخرين, أناساً كانوا أم حيوانات أم جماداً, وإن كان الإنسان يأتي في المقدمة. هذه المتطلبات هي التالي: 1- الإنسان بذاته ولذاته, وهو بهذه الصفة الإنسانية يستحق الاحترام والتقدير والحق في العيش بكرامة. 2- القبول بما يؤمن به دون قيد أو شرط أو تسفيه لما يؤمن به, حتى ولو كان مخالفاً لما يؤمن به الآخرون. 3- تقتضي الإنسانية عدم اللجوء إلى التكفير أو الإرهاب الفكري أو النبذ الاجتماعي أو السياسي. 4- يفرض الإيمان بالإنسانية القبول المطلق بالآخر كما هو دون قيد أو شرط. 5- رفض كل ما يتعارض مع الإنسانية من قيم ومفاهيم لا تؤمن بها. 6- حق الإنسان وبشكل مطلق, من منطلق كونه إنساناً فقط في اعتناق القيم والمفاهيم التي يريدها. 7- النبذ التام لكل توجه فكري يتعارض مع القيم الإنسانية. 8- اعتبار الإنسانية أساس التعامل في الحياة بين الناس على اختلاف مللهم ونحلهم وجنسهم. 9- الرفض المطلق لكل من يختار اللاإنسانية مذهبا للحياة, واعتباره خارجاً عن شرعة الحياة, ومن ثم فهو يستحق النبذ والإبعاد لأنه خطر على الإنسانية. 10- محاربة كل من يتبنى فكراً إيديولوجيا يؤمن بالحقيقة الواحدة المطلقة, لأنه يضع نفسه على النقيض من المذهب الإنساني. لماذا ندعو إلى تبني هذا المذهب الذي يكاد أن يختفي في ظل التشدد العقائدي الذي يسود العالم, خاصة عند أتباع الفكر الديني, حتى ولو ادعوا خلاف ذلك. من الواضح أن الفكر الماركسي الذي لا يؤمن بمذهب الإنسانية قد ولى إلى غير رجعة. ولذلك لم يتبق سوى المتشددين الدينيين, وهم من يسبب الآلام للبشر اليوم, تحت بند التكفير ونبذ الآخر. لقد دعا أحد شيوخ الأزهر إلى استئصال البهائيين من مصر, دون أن يؤنبه ضميره من الناحية الإنسانية. وهناك من يستخدم لغة التكفير لكثير من المذاهب والأديان ويدعو إلى محاربتها والقضاء عليها, برغم أن أتباعها لم يؤذوا أحداً. وهناك من يمنع المخالفين لدينه من التعبد بدينهم من باب الاستبداد الديني. وهناك من يضيّق على الآخرين حرية الإعلان عن دينه أو فكره خوف القتل أو الإيذاء. لذلك حتى نكون من المؤمنين حقاً بمذهب الإنسانية لا بدّ من نبذ من لا يؤمن بالإنسانية كمعيار إنساني للتعامل مع الآخر. المذهب الإنساني هو الخلاص للعالم اليوم من حالة الصراع بين الأديان والحضارات. وإلى حين يتم تبني هذا المذهب سيعيش الناس صراعا دائما فيما بينهم بسبب التخلي عن الإنسانية. والحال أن الأفكار اليوم تعيش الوضع الذي تحدث عنه المفكر الإنجليزي توماس هوبز في كتابه "التنين", وهو وضع يصارع فيه الإنسان كل إنسان. لقد تخطى الفكر الليبرالي هذه الأزمة النفسية للشخصية الإنسانية, في حين لا يزال جزء كبير من الفكر الديني رهينة للتشدد ورفض الآخر. وليدخل أي واحد منكم أي موقع ديني ويقرأ الفتاوى القاتلة لفكر الآخر... سيقتنع, لو كان منصفاً أن الإنسانية هي الحل الوحيد. في الغرب يتحدثون عن تشريعات قانونية لحقوق الحيوان والجماد (البيئة), أما اللاإنسانيون فلم يؤمنوا إلى هذه اللحظة بحقوق الإنسان الواردة في الإعلان العالمي الذي تتبناه الأمم المتحدة!