يبدو أن الاتفاق الذي عُقد بين الزعماء الشيعة والأكراد قبل أحد عشر شهرا للفوز بدعم السُنة لدستور جديد قد بات على وشك الانهيار، وهو ما أدى إلى انتشار أجواء القلق بين بعض الزعماء السياسيين من أن يُعرض ذلك الحكومة الائتلافية الهشة في العراق للخطر. وقد وصل السجال ذروته، أول من أمس الأحد، بعد أن واصل فصيل شيعي كبير سعيه إلى اعتماد تشريع يمنح الأقاليم صلاحية إنشاء ولايات تتمتع بالحكم الذاتي؛ حيث رفض المشرعون السُنة وآخرون ممن يعارضون المقترح، حضور جلسة البرلمان يوم الأحد الماضي، وحذروا من أن هذا التشريع سيؤدي إلى إضعاف حكومة الوحدة الوطنية في البلاد. وكان المشرعون الشيعة أعلنوا في وقت سابق أنهم توصلوا إلى اتفاق مع السُنة وتحالفات سياسية أخرى على إرجاء مناقشة المقترح إلى التاسع عشر من سبتمبر الجاري. غير أن مشرعين سرعان ما أعلنوا بعد ساعات من ذلك عن انهيار الاتفاق. ومن غير المعلوم حتى الآن ما إن كان الشيعة سيتمسكون بقرار التأجيل. أما الفصيل الشيعي موضوع الحديث، فهو "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية"، الحزب الشيعي القوي الذي يتزعمه عبد العزيز الحكيم وتربطه بإيران علاقات وثيقة، والذي يرغب في تمرير تشريع يحدد للأقاليم آلية بدء عملية إنشاء ولايات شبه مستقلة. ويقضي المقترح بأن تتمتع المناطق الجديدة بصلاحيات كبرى للتحكم في أمنها ومصادرها النفطية. وقد جدد الحكيم خلال عطلة نهاية الأسبوع دعوته لتشكيل منطقة كبيرة مستقلة ذاتياً في جنوب العراق تضم معظم السكان الشيعة والثروة النفطية في البلاد. ومما يذكر هنا أن الأكراد في شمال شرق البلاد يتوفرون على منطقة شبه مستقلة. غير أن السُنة يخشون أن يسلب منهم اعتماد تشريع مماثل نصيبهم القانوني من عائدات البلاد النفطية، على اعتبار أن غرب البلاد وشمال وسطها حيث توجد أغلبية سنية لا يتوفر على كميات كبيرة من النفط. وفي هذا السياق، ندد زعيم الكتلة السُنية الرئيسية عدنان الدليمي بالتشريع الذي يدافع عنه الحكيم ودعا "كل العراقيين– سنة وشيعة، وعرباً وأكراداً وتركماناً ومسلمين ومسيحيين- للوقوف في وجه المخطط"، معتبرا أنه من الخطأ مناقشة أي مقترح قد يؤدي إلى خلق مناطق مستقلة ذاتياً قبل أن تتاح للبرلمان فرصة إعادة صياغة أجزاء من الدستور، وهو اقتراح حظي بتأييد مسؤول من التحالف العلماني لرئيس الوزراء السابق إياد علاوي. كما أعرب بعض المشرعين الشيعة من "حزب الفضيلة والتحالف" الموالي لرجل الدين مقتدى الصدر عن تأييدهم للسنة، معربين عن قلقهم ومعتبرين أن حزب الحكيم يتسابق إلى الأمام بسرعة مفرطة. ويذكر أن الدستور الذي اعتمد في أكتوبر الماضي ينص على أن يعجل البرلمان بتشكيل لجنة تقترح في غضون أربعة أشهر إدخال تعديلات على الدستور. كما يدعو الدستور البرلمان إلى تمرير قانون في غضون ستة أشهر يحدد الآليات التي يمكن بواسطتها للأقاليم تشكيل مناطق مستقلة ذاتياً. غير أن لاشيء من ذلك حدث حتى الآن. الواقع أن الشيعة الذين يتزعمهم "الحكيم"، يستطيعون الحصول على الأصوات الكافية، بعد انضمام الأكراد إليهم، لتكوين الأغلبية اللازمة لتمرير مشروع قانون حول المناطق المستقلة ذاتياً. غير أن السُنة يتوفرون على حلفاء أقوياء ممن يرغبون في إرجاء هذا الموضوع، ومن بينهم أعضاء ائتلاف علاوي وبعض الأعضاء ضمن كتلتي "الفضيلة" و"الصدر"، وهو ما يمنح السُنة بعض الأمل في عرقلة المقترح لبعض الوقت. وفي هذا الإطار قال ظافر العاني، العضو السُني في البرلمان، "إن أغلبية أعضاء البرلمان تقف إلى صفنا بخصوص هذا الموضوع". وقد بدا في وقت سابق من يوم الأحد أنه تم إحراز بعض التقدم، إذ قال المشرع الشيعي سامي العسكري إنه تم التوصل إلى اتفاق يقضي بإرجاء المناقشة إلى الأسبوع المقبل من أجل السماح للبرلمان ببحث التعديلات الدستورية التي يريدها السُنة. ومن جهته، قال خالد العطية، نائب رئيس البرلمان الشيعي، إن مناقشة المقترح الشيعي ستبدأ بعد أسبوع من يوم الثلاثاء، على أن تجرى عملية التصويت بعد ستة أيام من ذلك. غير أن بلاغاً صدر عن عطية في وقت لاحق من يوم الأحد، أفاد بإن الزعماء السياسيين لم يعودوا متفقين. ومن جانبه، قال سيد عياد جمال الدين، السياسي من ائتلاف علاوي، إنه "لا يوجد اتفاق"، مضيفاً أن مؤيدي المقترح الشيعي كانوا يحاولون التعجيل بتمرير مسودة القانون "في أسرع وقت ممكن". والواقع أنه في حال عجل حزب عبدالعزيز الحكيم بتمرير المقترح عبر البرلمان، فإن من شأن ذلك أن يُضعف حكومة الوفاق الوطني التي سعى الشيعة والأكراد جاهدين إلى تشكيلها هذا العام. وفي هذا الإطار، يقول "عاني" إن الموافقة على مقترح الحكيم بدون حل المشكلات أولاً من شأنه أن "يجهض مخطط المصالحة الوطنية ويتسبب في فشل حكومة الوحدة الوطنية". وعلاوة على ذلك، فقد أبدى عاني تشككاً إزاء تطمينات حزب الحكيم والتي أفادت بأن الحزب سينتظر عاماً أو عامين قبل اتخاذ التدابير الفعلية لتشكيل مناطق مستقلة ذاتياً إذ يقول "لو تم اعتماد مسودة القانون تلك، فإن من شأن ذلك أن يمنح إشارة الضوء الأخضر لتشكيل المناطق فوراً". غير أن بعض الشيعة يرون أن استمرار عراق موحد على المدى البعيد سيستفيد، ولن يتضرر، في حال حوّل العراق الكثير من السلطات والصلاحيات إلى الولايات الإقليمية. وفي هذا الإطار، جاء في البلاغ الصادر عن عطية أن بعض الأطراف تحاول "تضليل الناس بالقول إن الفيدرالية ستعمل على تفتيت العراق"، وأن الحكومة المركزية التي تتنازل عن صلاحيات قليلة جدا فقط للمناطق إنما تواجه خطر الدفع باتجاه تقسيم العراق. ريتشارد أوبيل وعبد الرزاق السعيدي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسلا "نيويورك تايمز" في بغداد ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"