من المقرر أن يقوم رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بزيارة إلى لبنان اليوم الاثنين، والذي يوافق بدوره الذكرى الخامسة لعمل إرهابي غيّر العالم، وأثر تأثيراً عميقاً على فرص بلير السياسية. فهجوم "القاعدة" على الولايات المتحدة الأميركية، وضع بلير على طريق أدى في النهاية إلى تدميره كزعيم سياسي. فبلير باعتباره شريكاً أصغر لجورج دبليو بوش في حربه العالمية على الإرهاب، جرَّ بلاده إلى حروب غير شرعية ذات أكلاف باهظة، وقوّض الجهود الرامية لصياغة سياسة أوروبية موحدة في مجال الدفاع والسياسة الخارجية، وعرّض بريطانيا لهجوم إرهابي، وتعرض للسخرية والاستهزاء على نطاق واسع باعتباره "تابع أميركا الأمين"، مما شكل في مجمله مأساة لبلير. فعندما جاء بلير إلى سدة الحكم لأول مرة منذ تسع سنوات خلت كان موضع إعجاب باعتباره مهندس حزب "العمال الجديد" الذي سيكرس جهوده لتحويل بريطانيا إلى دولة ديمقراطية اشتراكية حديثة ذات اقتصاد مزدهر ومجتمع ديناميكي. وعلى الرغم من أن بلير قد نجح خلال فترة ولاياته الثلاث في تحقيق معظم أهداف برنامجه الداخلي، فإن كثيرين داخل حزبه ينظرون إليه في الوقت الراهن كعبء انتخابي، ويريدون منه أن يرحل. وفي مواجهة التمرد في صفوف حزبه، والضغط الشديد من زميله القريب ومنافسه اللدود وزير الخزانة "جوردون براون"، اضطر بلير إلى إعلان أنه سيترك منصبه خلال عام. ومن الواضح أنه سيود البقاء حتى الصيف المقبل حتى يستكمل عشر سنوات في منصبه. والموعد الذي أعلنه بلير في نظر بعض منتقديه ليس مبكراً بما فيه الكفاية، حيث يريدون منه أن يترك منصبه فوراً، أو على أقصى تقدير قبل موعد عقد الانتخابات المحلية في مارس المقبل، حيث يتأهب "المحافظون"، تحت قيادة زعيمهم الجديد "ديفيد كاميرون" لتحقيق مكاسب معتبرة. وتبدو الزيارة التي يزمع بلير القيام بها للبنان بمثابة محاولة يائسة لاستعادة بعض من مصداقيته السياسية، وهو ما يدفع البعض لطرح السؤال: ما الذي يأمل بلير في إنجازه من خلال هذه الزيارة خصوصاً وأنه قد هُمِّش طيلة الأزمة اللبنانية ولم يكن لبلاده -كما كان لفرنسا- دور ملحوظ في صياغة قرار مجلس الأمن رقم 1701 الذي أدى إلى إيقاف الحرب في النهاية. وبدلاً من ذلك، قام بلير بالسير على نهج بوش في رفض النداءات الدولية الداعية للتوصل إلى وقف سريع لإطلاق النار كي يتيح -على ما بدا- الفرصة لإسرائيل لـ"إتمام المهمة" وهي الإجهاز على "حزب الله" اللبناني، مما يعني أنه قد ساهم بشكل غير مباشر في تدمير لبنان. والحاصل الآن أن شعبية بلير في العالم العربي والإسلامي، بل وفي بريطانيا ذاتها، قد انخفضت إلى نفس المستوى المتدني الذي وصلت إليه شعبية بوش تقريباً. وهناك تناقض صارخ يكمن في قلب سياسة بلير، وهو أنه قد اختار أن يقف في صف واحد ودون شروط مع الولايات المتحدة في وقت كانت فيه واشنطن في قبضة جماعة "المحافظين الجدد" المؤيدين لإسرائيل، والتي تعارض رؤية بلير للشرق الأوسط معارضة تامة. ومن المعروف أن بلير كان يدعو على الدوام إلى الحل القائم على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وقادرة على الحياة بمفردها وتعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل في سلام وأمان. وبلير باختياره الوقوف في صف واحد مع إدارة بوش، أساء تقدير قوة "المحافظين الجدد" المنتمين إلى الجناح "اليميني" والمقربين من حزب "الليكود" الإسرائيلي، والذين صاغوا سياسة بوش الخاصة بالشرق الأوسط. ولأنه كان من المستبعد أن يشجعوا على ظهور دولة فلسطينية، فإن "المحافظين الجدد" دعموا المحاولات الإسرائيلية للاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية وفي السعي إلى تدمير الحركة الوطنية الفلسطينية. و"المحافظون الجدد" هم أيضاً من قام بالدفع في اتجاه شن الحرب على العراق، وزيفوا المعلومات الاستخبارية لتبريرها، لتحقيق هدف أساسي هو تدمير الجيش العراقي، والقضاء على أي تهديد محتمل لإسرائيل من جهة الشرق. وكان بلير يعرف أن المعلومات الاستخبارية زائفة، حيث أخبره مدير استخباراته بأن تلك المعلومات قد أعدت خصيصاً كي تتناسب مع هدف الإطاحة بنظام صدام حسين، ومع ذلك فإنه انضم لبوش في شن تلك الحرب، على الرغم من أن السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي عنان وصف الحرب على العراق بأنها "حرب غير شرعية". وموضوع العراق بالذات موضوع من الموضوعات التي دمرت سمعة بلير في الأمانة وحسن التقدير لأن هذه الحرب نتج عنها تحطيم دولة عربية رئيسية، وأدت إلى مصرع عشرات الألوف من العراقيين، وهزت استقرار المنطقة برمتها، ومثلت خطأ استراتيجياً كارثياً للولايات المتحدة، كونها أدت إلى استنزاف مواردها المالية وكلفت قواتها المسلحة بمهام تفوق قدرتها على الانتشار. ففي نهاية المطاف، فإن تلك الحرب تم شنها بناء على فرضيات زائفة قائمة على الغش. فحسب آخر تقرير صادر عن مجلس الشيوخ الأميركي فإن صدام حسين لم تكن له صلات مع تنظيم "القاعدة"، ولم يكن يقوم بتصنيع أسلحة الدمار الشامل وأن الأسباب الرئيسية لغزو العراق قد اتضح الآن أنها ليست سوى أكاذيب رددها بوش وكبار رجاله بلا خجل، وكررها بلير وراءهم بحذافيرها دون إمعان. وبارتكابه لهذه الأخطاء الفادحة في السياسة الخارجية، فإن بلير قام وعلى نحو منتظم بتجاهل نصائح الدبلوماسيين البريطانيين المختصين العاملين بمكتب شؤون الكومنولث والشؤون الخارجية، وفضل بدلاً من ذلك أن يتلقى النصيحة من أتباعه المقربين ومستشاريه الخصوصيين الذين كان بعضهم –في بعض الحالات- يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإسرائيل. ومن الأسئلة الرئيسية التي سيحتار حولها المؤرخون السؤال الخاص بمدى قدرة بلير على إيقاف الحرب على العراق لو كان قد امتلك الشجاعة الكافية ليقول لبوش صراحة إن بريطانيا لا تستطيع ولن تنضم إلى أميركا في شنها؟ والسؤال الخاص بما إذا كان بمقدور الولايات المتحدة شن حرب على العراق دون وجود حليف رئيسي؟ والثالث هو: لو كانت بريطانيا بمعرفتها الكبيرة بالعراق قد حذرت بوش من عواقب ما هو مُقدم عليه... هل كان سيمضي قدماً على الرغم من ذلك؟ إن بوش وبلير يواجهان الآن سلسلة من الكوارث في العراق، وأفغانستان، وفلسطين ولبنان... فما الذي يستطيع بلير أن يفعله من أجل إنقاذ سمعته في هذه المرحلة المتأخرة –إذا ما كان هناك شيء يستطيع فعله من الأساس؟ في استطاعته أن يعلن بشجاعة في بيروت أن بريطانيا سترمي بثقلها كله وراء الدعوة لعقد مؤتمر دولي لحل الصراع العربي- الإسرائيلي مرة واحدة وإلى الأبد مع إرسال قوة دولية إلى قطاع غزة لحماية الفلسطينيين من هجمات الإسرائيليين المدمرة كبداية طيبة على طريق تحقيق هذا الهدف.