منذ خمس سنوات خلت، التفَّت الأمة الأميركية حول رئيس وعدها بالانتقام من المسؤولين عن العمل الفظيع الذي تم في الحادي عشر من سبتمبر، لكن الذي حدث هو أن أسامة بن لادن لا يزال حياً طليق اليدين، بل إن أثره، كما تقول "واشنطن بوست"، قد انقطع تماماً. ومن الواضح أن ابن لادن ونائبه أيمن الظواهري آمنان في مخبئهما بدرجة تسمح لهما بتصوير شرائط فيديو متقنة يعيران فيها الأميركيين بفشلهم. ومن المؤكد كذلك أنهما لا يفتقران إلى أماكن يقيمان فيها بعد أن قامت الحكومة الباكستانية بتوقيع هدنة مع المقاتلين المسلمين في وزيرستان الشمالية، وهي المحافظة التي يفترض أن ابن لادن يختبئ فيها. وعلى الرغم من أن الباكستانيين يقولون إن ذلك لا يعني أن ابن لادن بمنأى عن القبض عليه، إلا أن مزاعمهم في هذا الشأن ليس موثوقا بها تماماً. وفي الوقت نفسه نجد أن جزءا كبيراً من أفغانستان قد سقط مرة ثانية تحت سيطرة أمراء الحرب من تجار المخدرات، وتحت سيطرة حركة "طالبان" التي كانت قد وفرت المأوى لتنظيم "القاعدة" قبل طرده من كابول. ويذكر أن القائد الأعلى لقوات "الناتو" قد طالب بإرسال المزيد من القوات، كما أن القائد الأعلى للقوات البريطانية في أفغانستان قال إن القتال هناك حالياً أشد شراسة من القتال الذي يدور في العراق. والحقيقة أن أرقام الخسائر تؤيد كلامه، فمنذ بداية عام 2006 فاق معدل الخسائر في الأرواح لدى قوات "الناتو" العاملة في أفغانستان معدلها لدى قوات الحلفاء في العراق. والطريق إلى هذه الهزيمة الاستراتيجية بدأ مع الإخفاق في القبض على ابن لادن أو قتله. لا تأبهوا بذلك الفيلم الذي لاقى رواجاً والذي تم إنتاجه لشبكة "آيه بي سي" بواسطة صديق من أصدقاء "راش ليمباو"، لأن الحقيقة هي أنه لم تكن هناك محاولة حقيقية للقبض على ابن لادن قبل الحادي عشر من سبتمبر، دعوا عنكم المحاولة التي رفضها مسؤولو إدارة كلينتون. أول محاولة حقيقية كانت في ديسمبر 2001 عندما تمت محاصرة قائد "القاعدة" في كهوف " تورا بورا" ولكنه تمكن من الهرب لأن البنتاجون رفض استخدام القوات البرية لقطع الطريق عليه. لم يكن ذلك مهماً... فكما قال الرئيس بوش في معرض إشارته لابن لادن في مارس 2002 "أنا في الحقيقة لست مهتماً به بهذا القدر"، وبعد أن أدلى بهذا التصريح فإن بوش توقف تقريباً عن الإشارة إلى زعيم "القاعدة" على مدار الأعوام الأربعة التالية. وفي الوقت الذي أدلى فيه بتصريحه السابق عن عدم اهتمامه كثيراً بابن لادن، كانت ملاحقة ابن لادن قد تقلصت إلى مرتبة أدنى. وهناك تقرير مطول نشر في العدد الأسبوعي لـ"واشنطن بوست" أضاف تفصيلات لما كان يعتبر لمدة طويلة سراً معروفاً للجميع، وهو أن الإدارة قد بدأت في بواكير عام 2002 في سحب الموارد الرئيسية مثل وحدات القوات الخاصة والطائرات غير المأهولة وإخراجها من مطاردة زعماء "القاعدة" تمهيداً لاستخدامها في غزو العراق. وفي الوقت نفسه أحجمت الإدارة عن منح النظام الجديد في كابول الدعم الذي يريده. وكما يفعل غالباً، فإن بوش قال الأشياء الصحيحة، وهي أن تاريخ الصراع في أفغانستان، كما أعلن في إبريل 2002، كان دائماً تاريخاً من النجاح الأولي الذي تتبعه سنوات طويلة من الارتباك، ثم الفشل في نهاية المطاف، ولكن أميركا "لن تكرر هذا الخطأ". كان ما قاله بوش صحيحاً ولكنه بدأ يفعل الشيء نفسه الذي حذَّر منه وهو إهمال أفغانستان بطرق كانت ترهص بالمصيبة المستقبلية في العراق. فخلال الثمانية عشر شهراً التي تلت إطاحة "طالبان" من السلطة، لم يقدم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أي قوات لحفظ السلام خارج نطاق العاصمة كابول. علاوة على ذلك فإن العون الاقتصادي في دولة معدمة ممزقة بالحرب، كان أقل ما يمكن في السنة الأولى الحاسمة عندما كانت الحكومة لا تزال تحاول إرساء الشرعية. وكانت نتيجة هذا كله هو الارتباك والفشل الذي نراه اليوم. كيف مضت كل تلك الأمور بهذا الشكل الخاطئ للغاية؟ إن تحويل الموارد لحرب مجانية في العراق يمثل بالتأكيد جزءا كبيراً من القضية. فعلى الرغم من استمرار مسؤولي الإدارة في إصرارهم على أن غزو العراق كان معقولاً على نحو ما باعتباره جزءا من الحرب الأوسع نطاقا على الإرهاب، فإن هناك لجنة مختارة تابعة لمجلس الشيوخ مختصة بالاستخبارات نشرت مؤخراً تقريراً يؤكد أن صدام حسين كان ينظر إلى "القاعدة" على أنها تمثل تهديداً وليس حليفاً، وأنه قام كذلك بمحاولات للقبض عل أبومصعب الزرقاوي. ولكن العراق لا يفسر كل شيء... فرغم أن إدارة بوش كانت تقوم سراً بالتخطيط لحرب أخرى في بدايات عام 2002، فإنه كان بمقدورها على الرغم من ذلك أن توفر بعض القوات لفرض الأمن وأن تخصص المزيد من الأموال لمساعدة حكومة كارزاي. فكما حدث في مسألة التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب في العراق فإن مسؤولي إدارة بوش على ما يبدو رفضوا التفكير- مجرد التفكير- في احتمال أن الأمور لن تمضي تماماً على النحو الذي كانوا يأملون فيه. بول كروجمان ـــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"