هل يوجد تعارض بين مصالح العباد واستمرار الاستبداد؟ وهل الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي يضر بمصالح الاستبداد؟ وهل الاستبداد هو السبب الوحيد في القضاء على "موضة" الإصلاح؟ وهل يجري حالياً "تأصيل" للاستبداد وتبرير لاستمراره؟ أسئلة كثيرة معادة ومكررة، والرد السهل والسريع عليها كلها هو "نعم" توجد علاقة "طردية" بين مصالح العباد والاستبداد، لذلك فإن "موضة" الإصلاح في الدول العربية قد انتهت ولا أمل في عودتها، حتى الإصلاح "الهامشي" و"المكياجي" و"الاستحيائي" و"الصوري" لم يعد له مكان، وعاد كل شيء إلى سابق عهده، الأمر الذي يؤكد حقيقة أن الحكومات العربية لم تأخذ موضوع الإصلاح مأخذ الجد وتراوحت ردود أفعالهم عندما دعت "ماما أميركا" إلى هذه "الموضة" ما بين صيحات الإعجاب أو التأكيد على فشل هذه الموضة وعدم ملاءمتها للمنطقة، أو الأخذ ببعض الديكورات المؤقتة منها والتي يسهل رفعها بسرعة، وربما كانت الشعارات الجوفاء هي السمة الوحيدة التي اتفقت عليها أبواق الحكومات العربية بأسرها، إنها عادتنا العربية نتحمس في البداية ثم تفتر عزيمتنا وسرعان ما ننسى.. وتعود "ريما إلى عادتها القديمة". ربما تكون الشعوب العربية قد استبشرت خيراً بدعاوى الإصلاح التي أمطرت الدول العربية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولكن المؤكد أن هذه الشعوب أدرى بحكوماتها، لذا لم تغالِ في فرحها وغبطتها واستبشارها بحدوث الإصلاح، لقناعتها بأن الموضة سرعان ما ستخبو، وإن كانت بعض الشعوب العربية لا يزال يراودها الأمل في الإصلاح والتخلص من الاستبداد والرجاء في التغيير، وتطمح في أن يتحقق ذلك ولو بعد قرن من الزمن، لذا يرون ضرورة بدء الخطوة الأولى للأمام سواء للإصلاح أو التعديل أو الحراك السياسي. ولكن الفاعلين الأساسيين في عملية التغيير السياسي في العالم العربي غير مستعدين لبدء الخطوة الأولى للتغيير، فالحكومات ترى أن الوضع مستقر والأمن مستتب، ولا توجد شكوى أو تمرد أو اعتراض أو مظاهرات مناهضة للحكومات سوى قلة من الملايين "الحاقدة" التي تسعى إلى "اغتصاب" كراسي السلطة، وهؤلاء لا يمثلون سوى أنفسهم، فضلاً عن أن الإصلاح السياسي سيأتي بالمتطرفين إلى الحكم وهو أمر لا ترضاه الحكومات كما لا تقبله "ماما أميركا". والولايات المتحدة كاذبة على الرغم مما تدعيه من أنها تحاول أن تضغط على الأنظمة السياسية العربية لتحويلها إلى الديمقراطية، لأن الدعوة إلى الإصلاح السياسي تتطلب سياسة أخلاقية، والدول لا تحدد سياستها انطلاقاً من مفاهيم أخلاقية، وإنما من منطلق المصالح فقط، ومصالح بوش الصغير وزمرته مع استمرار الوضع الراهن، فالإصلاح قد يأتي بقوم "لا يحبهم ولا يحبونه". للأسف انتهت موضة الإصلاح العربي بكل أشكالها "الميني" و"القصير" و"الطويل" و"المكسي" والعريض والفضفاض والضيق واللصيق، لا لسبب سوى عدم رغبة الحكومات في التغيير، وقناعتهم بأنهم الأحق في تولي المسؤولية لأن الشعوب العربية لا تزال قاصرة عن معرفة مصلحتها، وتفتقد الحكومات إلى الإدراك الواقعي بأن الإصلاح هو الطريق الحقيقي إلى التنمية الشاملة، والحل السحري لمواجهة التطرف والعنف، والأمل الوحيد المتاح ليتحمل المواطنون عبء بناء المستقبل. على مدى قرون تغلبت "طبائع الاستبداد" على "مصالح العباد" في معظم الدول العربية، ما جعلها تطرح أسباباً عدة لتبرير هذا الوضع من أبرزها: * إن المعركة مع أعداء "القومية العربية" تحتاج إلى مركزية السلطة في يد الحكومات حتى تستطيع تسخير القدرات والإمكانيات لصالح هذه المعركة، فلا شيء يعلو فوق "صوت المعركة"، وبعد حدوث الكوارث والنكبات والهزائم ظلت السلطة مركزية في يد الحكومات من أجل "رفع آثار العدوان" أيضاً. * نتيجة لأن السلطة ظلت مئات السنين في يد الحكومات، فقد اكتسبت هذه الحكومات الخبرة الكافية في إدارة شؤون العباد، بينما تفتقد الشعوب مثل هذه الخبرة. * إن الكراسي تحتاج إلى شخصيات "تاريخية" تعرف قيمتها وتقدر العائد منها، ومعظم شخصيات الحكومات "قديمة" وكبيرة في السن لذا فهي تاريخية من حيث الشكل والواقع. * إن الحكومات قد اكتسبت الخبرة في استثمار وإدارة "الثروة الوطنية"، فإذا تركتها لشعوب لا تفهم واقع السوق وأساليبه وحيله قد تخسر هذه الثروة وتبددها، وتبدل مستويات المعيشة التي درجت عليها الطبقات العليا في المجتمع، وربما يؤدي ذلك إلى "ثورة الجياع". * إن "الاستبداد" مصطلح غامض ويحمل أكثر من وجهة نظر ويطلق عادة على قوى "الاستعمار والإمبريالية العالمية"، بينما الحكومات العربية تحتل الشعوب وفي هذه الحالة لا ينطبق عليها هذا المصطلح، لأن المواثيق الدولية تتيح للمحتل "حرية التصرف". * إن هناك ميثاق شرف وعقداً اجتماعياً "متعارفاً عليه" في بعض الدول العربية... أن تتولى الحكومات المسؤولية مدى الحياة، وعلى الشعوب أن "تسمع" الكلام وتنصاع طواعية لمطالب ورؤى هذه الحكومات. * إن الحكومات العربية لم تجد البديل المناسب من أبناء الشعب ليحل محلها ويقوم بمهامها. * نتيجة لطول فترة وجود الحكومات فقد تم التعارف الواضح بينها وبين شعوبها وأضحت هناك علاقة أسرية، لذلك فمن الصعب فض هذه "العشرة" العميقة اليوم. من المعروف أن ما يحدث في بعض الدول العربية لا يخرج عن كونه "استبداداً" تقوم به حكومات احتلت كراسي السلطة وترفض الرحيل وتحرير الشعوب، ويساعد على استمرار هذا الاحتلال وتكريسه الدور الذي تقوم به أجهزة الأمن والشرطة والاستخبارات من جانب، وجماعات المصالح المرتبطة بوجود هذه الحكومات واستمرارها في السلطة من جانب آخر. وإذا كان التغيير سنة الحياة إذ لا يوجد أحد "مخلد" أو خالد أبد الدهر، وأن التاريخ سيشهد بأمانة على أعمال البشر، وما تخفيه الحكومات اليوم سيفضح غدا ولو بعد حين، إذاً فلماذا لا تفكر هذه الحكومات في يوم آتٍ لن ينفع فيه "أمن" ولا "مال" ولا "سلطان"؟ من المؤكد أن هذه الحكومات قد فكرت في مثل هذا اليوم، ولكن بطريقتها، فأعدت العدة بإجراءات كثيرة ومعقدة: * إقامة "الوزارة العائلة" أي التي يعين فيها الوزير، في وزارته "رجالاً ونساء" و"شباباً وشيوخاً"، لأن هذا الوضع يضمن استمرار سياسة سعادته في الوزارة من ناحية، ويضمن الستر عليه بعد عمر طويل مديد من ناحية أخرى. *إعداد الأبناء خاصة الذكور منهم لاحتلال منصب الوالد، بعد وفاته بصورة طبيعية مع ضمانة أن يكون "هذا الشبل من ذاك الأسد" حتى لا تفتقده جماهير الشعب. * تعديل التشريعات وتطويع القوانين وتغيير اللوائح المتعارف عليها حتى تتجاوب مع التغييرات المستقبلية حتى لا يشعر أحد أن هناك "توريثاً" لا سمح الله لمنصب أو حجز وظيفة "للأقارب". * ربط مصالح المجتمع باستمرار المسؤول أو أحد من أفراد عائلته في منصبه، بحيث يتلاشى الخط الفاصل بين الوظيفة والأسرة. ولكن الزمن تغير وآن الأوان لتعديل المبادئ والمفاهيم السائدة في المجتمع العربي التي تكرس مقولة "شعوب لأجل الحكومات" إلى "حكومات من أجل الشعوب"، لأن الإصلاح أو التطوير أو التغيير بأنواعه وأشكاله المختلفة ليس موضة بل سُنة الحياة لضمان مستقبل أفضل، وحتى تعود شعوب العالم الثالث، التي خرجت من إطار خريطة العالم، لتأخذ مكانها الصحيح بين شعوب العالم.