إن من يستمع إلى آخر خطب وتصريحات الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه رامسفيلد, يظن أن منشأ ورطتنا في العراق, إنما هو أقلية عنيفة من المتطرفين, عازمة على تحدي الإرادة السياسية الديمقراطية لغالبية العراقيين. كما تدفعك الخطب والتصريحات نفسها للاعتقاد بأن أشد ما نواجهه هنا في بلادنا داخلياً, إنما مرده إلى مجموعة ضالة مشوشة من "الديمقراطيين" المشاكسين, الذين لا يفكرون في شيء سوى الفرار بأسرع ما يمكن من حلبة أشد معارك القرن الحادي والعشرين شمولاً وضراوة. وكم كنت أتمنى أن يكون الأمر كذلك بالفعل. بيد أن الحقيقة هي أن المعضلة التي نواجهها اليوم هنا وفي العراق, لا ترد إلى الهامش السياسي وإنما إلى مركزه بالأساس. ولكي أبيِّن الأمر على نحو أفضل, أقول إن الذي نواجهه اليوم في العراق, ليس منشؤه في الهامش المعادي لوجودنا فيه, ولا إلى هامش الساسة "الديمقراطيين" المنتقدين للحرب هنا, وإنما في خطأ استراتيجية الإدارة الأميركية -التي هي في قلب السياسة الأميركية ومركزها- في تعاطيها مع العراق منذ بداية تخطيطها لغزوه واحتلاله. ففي الوقت الذي أوعزت فيه هذه الإدارة -مصيبة في رؤيتها السياسية من وجهة نظري الشخصية- بأن لبناء نموذج ديمقراطي تعددي واحد في قلب العالم العربي الإسلامي, أهمية كبيرة في التحول اللاحق للمنطقة بأسرها, وبالنسبة لحرب الأفكار الجارية ضد الإسلام الراديكالي المتشدد, إلا أنها تعاملت مع هذه المهمة وكأنها "رقصة زنجية" خفيفة ومتحررة من أية مصاعب وتضحيات! وعلى الرغم من أن مثلث بوش- تشيني- رامسفيلد قد أخبرنا عن أننا نخوض حرباً من أجل حياتنا وأرواحنا ضد "الفاشية الإسلامية", إلا أنهم أخبرونا أيضاً عن حاجتنا لخفض قواتنا, وعن الاكتفاء بعدد قليل من الجنود الموفدين لخوض هذه المعركة في العراق. كما أخبرنا هؤلاء بالقدر نفسه من الإلحاح عن مواجهتنا لنوع جديد من "الفاشية الإسلامية", إلا أنهم لم يكلفوا أنفسهم مشقة استغلال هذه المواجهة في رص وتوحيد الجبهة الداخلية الأميركية, بجمهورييها وديمقراطييها, بقدر ما استغلوها وسيلة لدق إسفين بين الحزبين, وأداة لإحراج الديمقراطيين ونعتهم بالهاربين من المواجهة والمرجفين. وإذا كان رامسفيلد هو من وصف منتقدي الحرب بأنهم مشوشون ومرجفون, فإن الأحرى أن أقول له هنا, إنما الإرجاف والتشويش يكمنان في قلب سياسات بوش, وفي تضارب غايات حربه في العراق ووسائل تحقيقها من الأساس. وإنه مما يحيرني ويشكِل علىَّ بحق, إدراك رئيس لحقيقة أن كل إرثه السياسي الرئاسي الذي سيخلفه, إنما يعتمد على ما يحققه في حربه هذه بالذات, ومع ذلك فإنه لا يكلف نفسه مقدار ذرة واحدة من الفعل الجاد من أجل إنجاحها, بل وكونه لا يزال محافظاً على سعة صدره وتحمله لكل هذا العجز والشلل! غير أن فشلنا في العراق لا يقتصر على كونه فشلاً في قلب المركز السياسي الأميركي فحسب, وإنما بسبب فشل مكافئ له في المركز السُّني والشيعي العراقي أيضاً. وفي اعتقادي الشخصي أن الديمقراطية لا تخيب في بلد ما, إلا حين تتقاعس القوى السياسية المركزية عن لعب دورها فيها, أو في حال سعيها لاستخدام قوتها وحشد موارد عنفها لتحقيق مآرب خاصة بها. ويمكننا أن نوجز القول في تاريخ الحرب العراقية هذه, بأن سُنة العراق -وكذلك السُّنة في الدول العربية المجاورة- يرفضون مبدأ "صوت واحد لكل ناخب", لمعرفتهم بأنه سيضع مقاليد السلطة بيد الأغلبية الشيعية المسلمة في العراق, للمرة الأولى من نوعها في تاريخ بلد شرق أوسطي. هذا ولا تزال أغلبية السُّنة –وليس الأقلية- تشكك في درجة إسلامية المسلمين الشيعة من الأساس. ولا زلت أذكر أن قائداً عربياً كبيراً قد أسرَّ لي في أذنى, في وقت مبكر من الحرب العراقية هذه بكلمات تعبر عن هذا المعنى. ومنذ لحظة الغزو وإلى الآن, لم تتمكن الولايات المتحدة الأميركية من وقف عنف السُّنة الشيعة المتصاعد ضدها هي أولاً, وضد بعضهم بعضاً ثانياً, بسبب قلة جنودها وقواتها هناك, وبسبب الدعم التكتيكي الذي واصلت بعض القوى السُّنية داخل العراق وخارجه, تقديمه للتمرد المناوئ لها. ونتيجة لتصعيد موجة العنف ضد الشيعة, فقد لجأ هؤلاء الأخيرون إلى تشكيل مليشياتهم وفرقهم الخاصة, واستعانوا بإيران بغية الحصول على السلاح, بينما أصبح هدفهم الرئيسي هو البقاء, وليس إنجاح المشروع الديمقراطي العراقي. وبالنتيجة فإن هناك اليوم مجلس وزراء يمثل فيه المسلمون السُّنة والشيعة على حد سواء, إلا أن لكل منهما مليشياته ومآربه الخاصة التي يعمل على تحقيقها تحت سمع وبصر الحكومة القائمة, تماماً مثلما كان عليه الحال إبان الحرب الأهلية اللبنانية. وهنا تنعدم وتتلاشى الخطوط الفاصلة بين اللحظة التي يتوقف فيها المركز السياسي عن العمل, ويبدأ فيها العنف والتمرد والفتنة الداخلية. وكما قال المحلل الإيراني الأميركي "والي نصر", في كتابه الجديد "الصحوة الشيعية" فإن المعترك الرئيسي في عراق اليوم, ليس حرباً للحرية ضد القمع, بقدر ما هو إحياء لنار الفتنة التاريخية القديمة بين المسلمين السُّنة والشيعة هناك. وذلك هو النزاع الذي سيشكل مستقبل العراق برمته. على أن مجرد إصرارنا على البقاء ومواصلة المهمة التي بدأناها, ليس كافياً لاحتواء مارد العنف الطائفي هذا. وعليه فلمَ لا ندفع دفعة قوية باتجاه إبرام اتفاق أكثر استقراراً بين مسلمي العراق وسُنته وأكراده, فيما يتعلق باقتسامهم للسلطة والعائدات النفطية وتسريح مليشياتهم؟ على أن هذا يتطلب فهمنا لعقلية "المركز السياسي" العراقي أولاً. توماس فريدمان ــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"