لا يمر يوم واحد إلا ونقرأ ونسمع ونشاهد عبر الإعلامين العربي والدولي، المزيد من الاعترافات بإخفاق السياسات الأميركية في كل من العراق وأفغانستان وفلسطين. وفي تلك التقارير كثيراً ما عبَّر الصحفيون وصناع الرأي العام عن شماتتهم وسعادتهم ونيلهم من الخيبة الأميركية، متناسين في ذلك أن من يدفعون ثمن هذه الخيبة هم العرب والمسلمون في المقام الأول، الذين يتجرعون المعاناة والجوع ويواجهون قهر بعض الأنظمة الحاكمة. وفي الآونة الأخيرة صدمت وأنا أتابع تقريراً يكاد يتهلل فرحاً لعودة "طالبان" إلى تنفيذ المزيد من الهجمات في عدد من المناطق والمحافظات الأفغانية، وكأن هذا أمراً يحمل على الغبطة والسرور لمجرد أن فيه تأكيداً ودليلاً على الفشل الأميركي. ثم إننا نرى المنطق ذاته في العراق، ففي الوقت الذي بلغ فيه متوسط معدل الموت اليومي هناك أرقاماً قياسية جراء العنف الدموي، نرى الكثيرين وهم يتهللون طرباً لهزيمة المشروع الأميركي، مرة أخرى. ويا له من منطق غريب ومحيِّر حقاً! دعونا ننظر هنا إلى الوضع في محافظة واحدة من محافظات جنوبي أفغانستان، لكي نقف على أبعاد هذه المأساة ولنرى كم يعتبر مُخزياً ما يعتقده الكثيرون بيننا. ففي صبيحة يوم من شهر يوليو من العام الماضي، أرسل مقاتلو "طالبان" أول إشارة دالة على عودتهم في مدينة لاشكرجاه عاصمة محافظة هلمند بجنوب أفغانستان. وكان أول ما فعله أولئك المقاتلون تربُّصهم خارج سور مسجد المدينة وانتظارهم حتى لحظة مرور الإمام الذي جاء ليؤمَّ المصلين في صباح ذلك اليوم ومن ثم إطلاق النار عليه. ومنذ يوليو 2005 إلى يوليو من العام الجاري تصاعدت موجة الاغتيالات إلى درجة كبيرة ومقلقة. ولكن لنتساءل: من استهدفت "طالبان" بحملة اغتيالاتها تلك؟ والإجابة أن معظم قتلاها هم من المدنيين والمهنيين الذين يعول عليهم في إعادة إعمار أفغانستان وبنائها. ففي القرى تطلق قوات "طالبان" الرصاص أمام التلاميذ، وتجعلهم يشاهدون مشاهد الإعدامات والدماء البشعة تلك. كما يجري إعدام المهندسين وعمال وموظفي الإغاثة والمساعدات الإنسانية في مواقع عملهم ومشروعاتهم التي تستهدف إعادة إعمار البلاد. وأمام المرضى وفي حضورهم يتم إطلاق النار على الأطباء والممرضين والعاملين في المستشفى بوجه عام. ويتكرر السلوك نفسه مع القضاة وبقية المهنيين العاملين في شتى القطاعات، دون تمييز في ذلك بين رجل وامرأة. ويضاف إلى الضحايا من الأئمة مثلاً عدد كبير من المصلين في ظهورهم أثناء أدائهم لشعائرهم الدينية. إلى ذلك كله يجري حرق الشاحنات أسبوعياً ومصادرة المؤن الغذائية بقصد تجويع المدن والمحافظات وحرمانها من الغذاء والدواء، مع العلم بأن غالبية سكانها من المسلمين. تلك هي ممارسات وأفعال "طالبان" التي يطرب ويهلل لها بعض المهووسين، لا لسبب سوى محاربة القادمين من كهوف التاريخ هؤلاء، للمشروع الأميركي. ولكي لا "نبخس البعض حقه"، فقد سقط ضحية هذا العنف عدد من الجنود الأميركيين والكنديين، إلا أن هؤلاء لا يمثلون سوى قلة بين مئات المسلمين الأفغان، الذين لقوا حتفهم ليس لذنب جنوه، وإنما فقط لعدم انضمامهم لهذه الحركة المتطرفة المتعصبة. وإنه لمن المؤسف حقاً أن تقابل هذه الممارسات الوحشية بمشاعر الغبطة والسرور من قبل اليسار الأميركي، وبعض المهووسين العرب والمسلمين الذين طغى عداؤهم لسياسات الرئيس بوش واستراتيجيته على فطرتهم وحسهم السليم إزاء إخوتهم العرب والمسلمين. ولما كان هذا هو واقع الحال، فإن علينا أن نتساءل عما يدعو بعض الأميركيين أو العرب والمسلمين إلى كراهية العراقيين أو الأفغان إلى هذا الحد الذي يجعلهم يتمنون لهم ذلك الموت الوحشي الذي يلحقه بهم "الإرهابيون" المهووسون في كلا البلدين؟! وفيما يبدو الآن، فلا شيء يهم سوى القتلة أنفسهم، وعليه فليس مهماً أن نتساءل في هذه المرحلة عن الخطأ الذي جاء بهم أو لماذا جاءوا، ولا عن غايتهم وهدفهم من حملات الاغتيالات التي يشنونها. بعبارة أخرى، فإن علينا أن نوجه سؤالنا إلى هؤلاء الذين ينتشون طرباً وفرحاً لتداعي كلتا الدولتين -أفغانستان والعراق- عما إذا كان تمريغ أنف جورج بوش والأميركيين في وحل العنف، أكثر أهمية في نظرهم من سقوط دولتين كبيرتين بيد المتطرفين القتلة المهووسين، مع العلم بأن انتصار هؤلاء لا يعني شيئاً آخر سوى الانزلاق إلى هوة العنف والفوضى، وتجويع مئات الآلاف من المسلمين؟ وبالطبع فقد ارتكبت أميركا أخطاء فادحة في خططها واستراتيجياتها التي غزت بموجبها هاتين الدولتين عسكرياً. غير أن خطأها الأفدح في رأيي، هو عدم نشر قوات كافية لحفظ الأمن واستكمال مهامها في كلتيهما. وفيما لو نسي أو تناسى البعض منا، فقد كانت تلك المهام تتعلق بتخليص العراق من القبضة الحديدية الدموية لطاغيته صدام حسين، وكذلك عتق أفغانستان وتحريرها من متعصبي "طالبان" ومن نفوذ أسامة بن لادن وأزلامه هناك. غير أن الحل ليس بأية حال مغادرة الولايات المتحدة لكلا البلدين الآن، كي يحل محلها القتلة. وفيما لو كان مصير ومستقبل الدولتين يهم العرب والمسلمين حقاً، فإن عليهم إرسال قوات عسكرية إلى هناك، للمساهمة في جهود حفظ الأمن والاستقرار فيهما، منعاً لعودتهما إلى الوضع المزري الذي كانتا ترزحان فيه كلاً بطريقتها الخاصة. ولا أظن أن هناك في العالم الإسلامي كله، من يتوق إلى عودة هذا العالم إلى مثل ذينك العهدين. وبالعين ذاتها، فإذا ما نظرنا إلى تلك الفوضى المروعة الضاربة بأطنابها في قطاع غزة فإن الفكرة الوحيدة التي تقفز إلى أذهاننا مباشرة هي أن الوضع مقلق، بفعل تفشي الابتزاز وممارسات القتل والاختطاف والعنف الزائف باسم الدين. وعلى رغم مشروعية كراهية المرء لإسرائيل، والمطالبة بانسحابها من الأراضي الفلسطينية، إلا أن هذا ليس هو واجب الفلسطينيين الأول المقدّم الآن. ذلك أن واجبهم الآن أن يخلصوا أنفسهم من عبء "حماس" والفوضى المستشرية باسم الدين. أقول هذا لعلمي أنه لا حركة "حماس" ولا حالة العنف هما من يستطيع تحقيق تطلعات وطموحات الشعب الفلسطيني، سواء كان في قطاع غزة أم في الضفة الغربية. ولذلك فإنه مما لا أشك فيه لحظة واحدة أن تخليص الفلسطينيين من عبء العنف وآثاره المدمرة لهو من أوجب الواجبات في الوقت الراهن.