ترتفع في الاتحاد الأوروبي علامة استفهام كبيرة حول ما إذا كانت أوروبا في مواجهة مع الإسلام، أو ما إذا كانت تدفع ثمن سوء العلاقات الإسلامية- الأميركية؟ الأوروبيون يقولون إن هدف التطرف الإسلامي هو الولايات المتحدة لا الاتحاد الأوروبي. وإن مرد ذلك يعود إلى أن بعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا وإيطاليا وأسبانيا تحالفت عسكرياً وسياسياً مع الولايات المتحدة في احتلال العراق وأفغانستان، وإن سلسلة الأعمال الإرهابية التي استهدفتها كانت انتقاماً من نتائج هذا التحالف. أما الآن فقد تغيّر الحزب الحاكم في كل من إيطاليا وأسبانيا فيما لا يزال رئيس الوزراء توني بلير وحزبه الحاكم يترنحان تحت ضربات الرفض الشعبي البريطاني لتبعيتهما العمياء للرئيس الأميركي جورج بوش. هناك دول أخرى تحالفت مع الولايات المتحدة ولكن لم تتعرض لردّ الفعل الإسلامي ذاته، ومنها دول في أوروبا الشرقية التي اعتبرت هذا التحالف بمثابة ورقة دخول إلى حلف شمال الأطلسي. ولكن لا توجد في هذه الدول أعداد كبيرة من المسلمين كما هو الأمر في دول أوروبا الغربية. وبالتالي ما كان باستطاعة المتطرفين أن يقوموا في وارسو أو بودابست أو صوفيا مثلاً بما قاموا به في لندن أو مدريد، وقبل ذلك في باريس من أعمال انتقامية. ربما تكون تلك الأعمال قد أثرت على القرار الفرنسي بمعارضة قرار الحرب الأميركية على العراق، وربما تكون قد ساهمت بالتغيير الحكومي الذي حصل في أسبانيا وإيطاليا، ولكن مع ذلك فإنها تبقى أعمالاً إرهابية لا يمكن تبريرها دينياً أو أخلاقياً. ذلك أنها كأي عمل إرهابي آخر تستهدف الأبرياء وتتوسل العنف أداة للتعبير عن الرأي. ويعرف العالم العربي جيداً النتائج الفظيعة والمروعة المترتبة على تحميل الأبرياء أوزار جريمة كبرى يرتكبها فريق ثالث. فالمحرقة التي ارتكبتها النازية في أوروبا أودت بحياة الملايين من الأبرياء اليهود وغير اليهود. إلا أن العالم العربي، وخاصة الشعب الفلسطيني هو الذي دفع -ولا يزال يدفع- ثمن تلك الجريمة من خلال تهجير الفلسطينيين من وطنهم، وإقامة إسرائيل على أرض فلسطين، تعويضاً لليهود عما لحق بهم من جرائم. من هنا، فإذا كان هناك صراع بين العالم الإسلامي والسياسة الخارجية الأميركية لإدارة الرئيس الحالي جورج بوش، فليس من مصلحة المسلمين استعداء لا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي من خلال القيام بردود فعل انتقامية تدفعهم إلى أن يكونوا طرفاً في هذا الصراع. فإذا لم يكن ممكناً كسب الأوروبيين إلى جانب عدالة القضية العربية والإسلامية، فإنه بالإمكان تحييدهم في الأزمة الراهنة مع الولايات المتحدة. فالأعمال الانتقامية التي قام بها متطرفون إسلاميون روّجت لمقولات المحافظين الجدد الأميركيين التي تعتبر الإسلام عدواً للغرب (أميركا وأوروبا معاً) ولحضارته المسيحية.. والتي تدعو إلى وحدة الغرب في وجه ما تسميه هجمة "الصحوة الإسلامية". وتطرح هذه المقولات الأميركية المتطرفة تحذيرات من خطر الإسلام على أوروبا(؟) حتى أنها تصل في ذلك إلى حد التخويف من أن تتحول القارة الأوروبية إلى قارة إسلامية. وتبرر ذلك بالأمور الثلاثة الآتية: أولاً: انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بسكانها المسلمين الذين يزيد عددهم على 70 مليوناً. ثانياً: استمرار تدفق هجرة المسلمين إلى الدول الأوروبية وارتفاع نسبة تكاثرهم عن طريق الولادة وكذلك عن طريق سياسة جمع شمل العائلات. ذلك أن نسبة عالية منهم في سنّ الشباب. وفي كتاب جديد عنوانه: "عندما تنام أوروبا: كيف يدمر الإسلام الراديكالي الغرب من الداخل"، يذهب مؤلف الكتاب "بروس بروير" (وهو هولندي شاذ، يدافع عن الحرية الجنسية المطلقة) إلى حدود قصوى من المبالغة فيزعم أن عدد المسلمين في سويسرا مثلاً وصل إلى 20 في المئة، علماً بأن آخر الإحصاءات السويسرية الرسمية التي جرت في عام 2000 تقول إن نسبتهم لا تتعدى 4.3 في المئة فقط!!. ويذهب "بروير" إلى حدّ وصف عدم تصدي الليبراليين الأوروبيين للإسلام الراديكالي بأنه انتحار للديمقراطية. ثالثاً: انخفاض نسبة المواليد في أوروبا، حيث تصل إلى الصفر في دول مثل إيطاليا وألمانيا مثلاً. إن الإحصاءات الرسمية الأوروبية تؤكد أن عدد المسلمين فيها يبلغ 20 مليوناً أي ما يعادل 4 في المئة من الأوروبيين غير المسلمين. ومن المقدر أن يرتفع هذا العدد في عام 2025 إلى 10 في المئة، وهي نسبة أقل كثيراً من الأرقام التخويفية التي تفبركها جهات معادية للإسلام ولعلاقات بناءة بين المسلمين ومجتمعاتهم الأوروبية الجديدة. ومما يزيد في تسفيه الأرقام التخويفية، الزواج المختلط الذي تتوسع قاعدته بين الأوروبيين المسلمين وغير المسلمين. وبالعودة إلى كتاب "بروير" فإنه يربط بين ظاهرتي تزايد عدد المسلمين في أوروبا وتناقص عدد المواليد الأوروبيين. فيقول إن أوروبا توقفت عن إنتاج الشباب للدفاع عن مستقبلها، وتركت هذه المهمة للمسلمين الذين لهم أهداف وتطلعات خاصة بهم. وفي محاولة للتوفيق بين أوروبا والولايات المتحدة (أي الغرب) في مواجهة الإسلام(؟) صدر كتاب جديد آخر عنوانه "هلع في أوروبا: لماذا تعتبر مشكلة القارة مشكلة أميركا أيضاً ؟"، وفي هذا الكتاب تقول المؤلفة كلير بيرلنسكي: "ليس المهم عدد المواليد بين المسلمين في أوروبا، بل المهم هو عقيدتهم". وتعتبر الكاتبة أن الموقف الإسلامي معادٍ عقائدياً وحضارياً للولايات المتحدة ولأوروبا معاً، من دون أن يكون لفترات الاستعمار الغربية الطويلة للعالم الإسلامي أو للحرب على العراق وأفغانستان أو للحرب على الإرهاب التي تحت شعارها تنتهك كرامات وحقوق المسلمين، أي تأثير.. أو حتى أي إشارة في الكتاب. ولعل كتاب "ميلتون فيورست" من بين أسوأ الكتب التي تعالج موضوع علاقة الإسلام بالغرب. فعنوان الكتاب يدل على محتواه، وهو: "عاصفة من الشرق، الصراع بين العالم العربي والغرب المسيحي". فالكتاب يضع الصراع في إطار ديني وينهج أسلوباً تحريضياً على العرب والمسلمين رغم أن مؤلفه صحفي يعرف الشرق الأوسط جيداً. إلا أن ثمة جانباً موضوعياً من الكتاب يقول فيه المؤلف إنه خلال المئة سنة الأخيرة تبنّى العرب إيديولوجيات مختلفة لاستعادة موقعهم في العالم ولتقرير مصيرهم. ولكن كل تلك الإيديولوجيات فشلت. وحدها إيديولوجية التهديد الخارجي والتخويف منه حققت بعض النجاح. ويرى أن العالم العربي رغم إدراكه أنه عاجز عن مواجهة التفوق العسكري الأوروبي، سيستمر في المواجهة الدموية إلى أن يعترف له هذا الغرب، بحقه في أن يقرر مصيره بنفسه. من هنا فإن أمام الغرب طريقين أساسيين للتعامل مع العالم العربي والإسلامي: إما طريق إحياء روح حروب الفرنجة (الحروب الصليبية)، وإما طريق إحياء القيم الغربية بما فيها وثيقة حقوق الإنسان وشرعة الأمم المتحدة التي تؤكد على حق الشعوب في السيادة وتقرير المصير. لقد جرب الغرب الوسيلة الأولى وعادت عليه -وعلى العرب والمسلمين- بأسوأ العواقب. ولم يجرب -حتى الآن- الوسيلة الثانية، خاصة وأن القيم الغربية هي في جوهرها قيم عالمية تلتقي في معظمها مع القيم الدينية الإسلامية والمسيحية. في ضوء ذلك لابد من طرح السؤالين التاليين على ما بينهما من تناقض ظاهري: السؤال الأول هو: ماذا تفعل أوروبا لتحديد مستقبل الإسلام في دول القارة ؟ أما السؤال الثاني فهو: ماذا يفعل المسلمون الأوروبيون لرسم مستقبل القارة الأوروبية؟ القاسم المشترك بين السؤالين هو دور الإسلام المعتدل الوسطي والسمح الذي تميزت به الدعوة الإسلامية منذ بداياتها الأولى على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن هذا القاسم المشترك لا يخلو من جدلية أيضاً. ذلك أنه يطرح من جهة أولى دور الاعتدال الإسلامي ليس كأساس لتجريد التطرف العنفي من مقوماته ومن مبررات ردات فعله فحسب، ولكنه يطرح هذا الدور كأساس أيضاً لإنقاذ الإسلام نفسه من التهم والافتراءات الظالمة التي توجَّه إليه وتستعدي عليه شعوب العالم على اختلاف ثقافاتها وعناصرها. ومن جهة ثانية فإن الإسلام المنفتح يساهم في إنقاذ أوروبا من الوقوع في فخ التحريض الاستدراجي إلى عقلية الحروب الصليبية مرة أخرى. ومن هنا فإن أمام العالم العربي وأوروبا معاً مهمة إنسانية مشتركة -ومصلحة مشتركة أيضاً- لكبح جماح التطرف والغلو سواء كان ذلك باتجاه استعداء الغرب على الإسلام، أو باتجاه استعداء الإسلام على الغرب. وهي مهمة ممكنة جداً -وإن لم تكن سهلة- إذا ما توفر الحد الأدنى من تبادل النوايا الحسنة!..