مع بداية العام الدراسي الجديد، شهدت وزارة التربية والتعليم استقالات بالجملة بلغت تقريباً نحو 25 استقالة تقدمت بها مواطنات يعملن في الهيئتين الإدارية والتدريسية من مختلف المناطق التعليمية بحسب ما أكدت التقارير الصحفية. الاستقالات بحد ذاتها قد تكون خبراً عادياً، خصوصاً أنه لا سبب يدعو إلى القلق ما دامت هناك آليات لسد الشواغر وتعويض النقص الإداري والحيلولة دون حدوث اضطراب في النظام، لكن ما يلفت الانتباه هناك أحاديث أو توقعات تتردد بشأن ارتفاع أعداد المواطنين والمواطنات المستقيلين من القطاع التعليمي على خلفية زيادة المدة التي يمكن للموظف التقاعد بعدها من 15 إلى 20 سنة. وما يلفت الانتباه أيضاً أن هناك تقارير صحفية تتحدث عن اعتذار العديد من المرشحين المواطنين لوظائف التدريس عن عدم استلام عملهم، وهذا الأمر ربما نتج عن حصولهم على فرص عمل يعتبرونها أكثر جاذبية من حيث الراتب أو لجهة حساسات ذاتية أخرى تتماهى مع وجهة نظر هذا الشخص أو ذاك، ولكن هذه التقارير تحدثت عن عزوف نسبي عن العمل بمهنة التدريس. مجمل هذه الوقائع يضعنا أمام تساؤلات منطقية، أولها يتعلق بالبحث في مدى جاذبية مهنة التدريس للتعرف إلى مواطن الخلل وأسباب العزوف، وأيضاً لتفادي قبول خريجين يقبلون بهذه المهنة كأمر واقع أو "محطة ترانزيت" مع عدم الرغبة فيها وعدم القبول بالتزاماتها وواجباتها بالغة الأهمية. من البديهي القول بأن مهنة التدريس من المهن الشاقة ذات الطبيعة الاستثنائية التي تتطلب مهارات فردية إضافية ربما تفوق معظم المهن والوظائف الأخرى، وبالتالي يبدو منطقياً أن تثير خوف الكثيرين، ربما لما تفرضه من التزامات وأعباء يومية، وربما لأن المردود المادي لا يوازي ما يبذل فيها من جهد ومشقة، ولذا فإن من الضرورة الإسراع بدراسة وتطبيق مشروع الكادر الخاص الوظيفي للمعلمين، بحيث يسهم هذا المشروع في تحويل مهنة التدريس إلى مهنة جاذبة للخريجين المتميزين من المواطنين والمواطنات. من المتصور أن هناك طرقاً وقنوات وآليات عديدة لتحويل العمل في التدريس إلى مهنة جاذبة ذات بريق خاص لدى قطاعات الشباب من المواطنين والمواطنات، وهذه الآليات تنسجم مع التوجهات الاستراتيجية للدولة، بشأن حتمية تطوير منظومة التعليم، ومن هذه الآليات توفير الدورات التدريبية الخارجية والداخلية المتميزة، وفتح باب الترقي الوظيفي وتعديل سياسات الأجور بما يضفي مرونة استثنائية تمنح من يتولى مسؤولية أي أعمال إضافية تميزاً في الراتب وفرص الترقي والحصول على دورات تدريبية تفتح له المجال أمام تدريس صفوف أعلى والحصول على مزايا مادية أفضل. المطلوب إذاً القفز على غياب الدافعية وقلة الحماس للعمل بتوفير "روزنامة" من عوامل الجذب والشحن المعنوي التي تدفع الجميع إلى التنافس للعمل بقطاع التعليم، على اعتبار أن إحدى ركائز أو مقاييس نجاح خطط التطوير المأمولة تكمن في توطين الكوادر الإدارية والتدريسية المواطنة المؤهلة لقيادة المرحلة المقبلة وتنفيذ خطط التطوير، انطلاقاً من أن وجود الكوادر المواطنة يضمن نوعاً من الاستمرارية والاستقرار ويضمن أيضاً وجود القدر المطلوب من الانسجام بين خطط تطوير المناهج والأنشطة الصفية من جهة، واحتياجات البيئة المحلية ومنظومة القيم السائدة من جهة ثانية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.