قرار مسعود البرازاني رئيس إقليم كردستان بمنع رفع العلم العراقي على المباني الرسمية لحكومة الإقليم ليس غريباً ولا مفاجئاً. كان البرازاني دائماً واضحاً، بل ومباشراً في موضوع حق كردستان في الانفصال عن العراق، وتحويله إلى دولة كردية مستقلة. البرازاني في ذلك يعبر عن توجه طاغ بين الأكراد نحو الانفصال. هو المتحدث الأبرز عن هذا التوجه والأكثر إصراراً على إعلانه وتأكيد مشروعيته. لم يمض وقت طويل على الغزو الأميركي للعراق عندما بدأت المؤشرات على هذا التوجه بالظهور بشكل علني وغير مسبوق في إقليم كردستان. أهم هذه المؤشرات كان إصرار الأكراد، وفي مقدمهم البرازاني، أثناء المفاوضات حول دستور العراق الجديد في العام الماضي، على أن يتضمن هذا الدستور فقرة تؤكد حق إقليم كردستان في تقرير المصير. بعبارة أخرى، حق الأكراد في الانفصال. منذ ذلك الحين أخذت المؤشرات في هذا الاتجاه تتراكم مع الوقت: من توقيع العرائض، إلى تسيير المظاهرات المطالبة باستقلال كردستان، ومن موضوع مدينة كركوك والتهديد بالحرب في سبيل بقائها كردية، إلى التصريحات والتلميحات من حين لآخر للتذكير بحق الاستقلال عن العراق. كان ولا يزال البرازاني من أكثر زعماء الأكراد انشغالاً بالترويج لفكرة انفصال إقليم كردستان. يتحدث عنها كثيراً في خطبه، وفي مجالسه، ولقاءاته الصحفية، بل وفي زياراته الرسمية. يلاحظ إصراره المستمر على القيام بهذه الزيارات باعتباره رئيسا لإقليم كردستان. ثم إن البرازاني من أهم من دفعوا بفكرة أن يكون لحكومة كردستان ممثل خاص لدى الدول الأجنبية، وعدم الاكتفاء بأن سفير العراق يمثل كل العراقيين، وبإبعاد اللغة العربية عن الدوائر الرسمية في الإقليم. أيضاً إصرار الأكراد، وفي مقدمهم البرازاني، بالتهديد والوعيد على تثبيت مطالبهم في الدستور العراقي، وهي: حق تقرير المصير، والفيدرالية، ورفض أن يشمل اسم الدولة العراقية وصف "عربية" أو "إسلامية"، والمادة 58 الخاصة بمدينة كركوك. سئل البرازاني عن كيف أن بعض مواد دستور إقليم كردستان تتناقض مع الدستور الفيدرالي. أجاب بأن "الدستور الكردي يجب أن يعبر عن واقع الإقليم". يبدو أن الهم الأول والأساسي للبرازاني هو تعويد العراقيين، والمنطقة ككل على فكرة أن "انفصال واستقلال الأكراد" عن العراق أمر وارد وممكن الحدوث، والتعود عل تداول فكرة "دولة الأكراد"، وننقل هذه الفكرة من دائرة المحرمات إلى دائرة الممكنات السياسية. لا يكاد يمر وقت طويل (أسابيع بالكثير) إلا ويختلق، أو ينتهز البرازاني مناسبة لفعل أو إجراء أو تصريح حول فكرة "الاستقلال"، وحق الأكراد في دولة خاصة بهم. آخرها إنزال العلم العراقي. الأكثر وضوحاً في هذا الاتجاه تصريحه في أغسطس العام الماضي بأن "للشعب الكردي حقاً في الانفصال. وعندما لا يطالب بذلك الآن، فهذا يعني أنه يعرف أن الوقت غير مناسب". قال ذلك في مؤتمر صحفي مشترك مع السفير الأميركي في العراق، زلماي خليل زاد. الأخير علق على ذلك بقوله، "برنامجنا الحالي هو العمل من أجل بناء عراق ديمقراطي فيدرالي موحد." ما كان للبرازاني أن يكون أكثر وضوحاً من ذلك. إنه ينتظر اللحظة المناسبة لإعلان الاستقلال، مما يعني أن مشاركة الأكراد، حسب رأيه على الأقل، في البرلمان ومجلس الوزراء، بل ورئاسة الدولة التي يتولاها حالياً الكردي جلال الطالباني، هي مجرد مشاركة مؤقتة، ومسايرة للظروف والأجواء السائدة محلياً وإقليمياً، ودولياً. وحين يأتي الوقت وتصبح الظروف أكثر مناسبة سوف يعلن البرازاني عن حق الأكراد بالانفصال، والمطالبة باحترام هذا الحق من قبل العراقيين، والعرب، والأتراك، وقبل ذلك وبعده من قبل الولايات المتحدة الأميركية. ماهو الوقت المناسب الذي ينتظره البرازاني؟ في 11 نوفمبر من العام الماضي سئل البرازاني مرة في صحيفة الشرق الأوسط هذا السؤال: ما الظرف الذي يمكن ان يجد الاكراد فيه انفسهم مضطهدين للمطالبة بالانفصال والاستقلال؟ (صيغة السؤال ليست ذكية تماما لأنها تشير إلى ماضي النظام السابق، وليس إلى تطلعات الأكراد حالياً). جاءت إجابة البرازاني هكذا، "إذا اندلعت حرب أهلية بين الشيعة والسُنة وانفصل كل منهما عن الآخر، فإن الاكراد لن يكون أمامهم خيار غير الاستقلال. أما إذا بقي الطرفان ملتزمين بالدستور، فنحن سنظل ملتزمين به أيضاً، ونحافظ عليه." هذا يعني، حسب البرازاني، أنه في حال نجح العراقيون في تجاوز ظروف الحرب الأهلية الحالية، وتجاوزوا الضغوط الانفصالية، ونجحوا في تحقيق وحدة العراق، واستقراره وازدهاره في ظل نظام ديمقراطي، فإن الأكراد سيتخلون عن فكرة الدولة الكردية، وعن أنها تمثل حقاً طبيعياً مكتسباً لهم. وإذا كان هذا هو رأي البرازاني، فلماذا الإصرار على الدفع باستمرار في اتجاه إنضاج هذه الفكرة، ومحاولة فرضها كأمر واقع لا يجوز الاعتراض عليه من قبل الآخرين؟ بل لماذا التلويح دائماً بأن مسألة انفصال الأكراد هي مسألة وقت، وظروف مناسبة؟ لكن البرازاني يدرك حساسية موضوع قيام دولة كردية ليس فقط عربياً، بل قبل ذلك تركياً. ومن ثم قد يكون من بين أهداف إصراره المستمر على الحديث عن "الاستقلال" جس نبض الأتراك حيال الفكرة، وتطمينهم، ثم تعويدهم على الفكرة والحديث عنها، والجدل حولها. إصرار البرازاني المستمر على التذكير بحق الأكراد في الانفصال يؤكد أن تحالفه مع الأميركيين لإسقاط النظام السابق، وإلغاء الحكم السُني للعراق انطلق بشكل أساسي من طموح وأمل في أن هذا التغيير السياسي الكبير يفتح الطريق أمام استقلال الأكراد لأن يكون خياراً سياسياً يفرض نفسه مع الوقت. لكن البرازاني يملك حساً سياسياً أيضاً، ويعرف ظروف المرحلة وحساسيتها، ويدرك إمكانيات إقليم كردستان في الظروف الحالية. هو يعرف أن فكرة "دولة للأكراد" في الوقت الراهن مرفوضة عراقياً وإقليمياً ودولياً. ويعرف أن الغزو الأميركي للعراق، وسقوط النظام السابق غير قواعد اللعبة في المنطقة، بما في ذلك الأولويات والأدوار. هناك دول استفادت كثيراً من هذا التغير، خاصة إيران. ودول خسرت منه كثيراً، مثل الدول العربية. العراق بلد عربي، وسقوطه بهذه السهولة دون أية ممانعة عربية ربما أغرى البرازاني بأن ظروف الضعف العربي ستفرض على العرب ضرورة التعايش مع فكرة دولة كردية. بل إن هذه الظروف هي من بين أهم العوامل التي قد تسمح بتفكك العراق، وانفصال أقاليمه، وبالتالي إفساح المجال أمام قيام الدولة الكردية. وما هو مغر أكثر أن ظروف الضعف العربي قد لا تتكرر مرة أخرى، وبالتالي يجب الاستفادة منها لخدمة طموح الدولة الكردية قبل فوات الأوان. تبقى تركيا. ماذا حصلت تركيا من التغيير الكبير في العراق؟ هل هي مع الذين كسبوا؟ أم مع الذين خسروا؟ من الصعب تصور أن تركيا كسبت من وراء سقوط النظام العراقي السابق، وهو نظام لم يكن على خصومة معها، كما كانت حاله مع الجارة الأخرى، إيران. وتركيا حليف للولايات المتحدة، وعضو في حلف "الناتو". ومن الصعب أيضاً في هذه الحالة تصور أن يعمل الأميركيون على فرض دولة كردية على تركيا. لا يمكن للأميركيين أن يكرروا الخطأ مرتين: إفادة خصمهم في طهران، والإضرار بحليفهم في أنقره. يعرف البرازاني أيضاً أن العراق لم يستقر على بعد، ولا أحد يعرف كيف سيستقر في نهاية الأمر. ربما يبدو له بأن عامل الزمن في صالح الأكراد. حالة العنف وعدم الاستقرار السياسي تكاد تكون مقصورة على جنوب العراق ووسطه بشكل خاص. منطقة الأكراد في الشمال تنعم باستقرار نسبي. وبالتالي ربما يرى البرازاني، وبقية القيادات الكردية الأخرى، بأن عامل الزمن مهم لإنضاج فكرة الدولة الكردية على نار العنف وإمتداد أمد الحرب الأهلية التي تعصف بالأجزاء الأخرى من العراق. وبالفعل العراق في حالة حرب أهلية غير معلنة. من ناحية أخرى، هذه ظروف قد تفرض صفقات يدفع ثمنها الأكراد قبل غيرهم كما حصل في السابق. المأزق الأميركي في حالة تحول الحرب الأهلية إلى حرب معلنة وشاملة، ومصالح الدول المجاورة، والبرنامج النووي الإيراني قد تفرض مثل هذه الصفقة كمخرج. من حق الأكراد أن تكون لهم دولتهم المستقلة، لكن الظروف الإقليمية والدولية، مضاف إليها أسلوب البرازاني، لا تسمح بذلك. بطريقته يعمل البرازاني على فرض فكرة الانفصال على العراقيين، والعرب والأتراك. الأسوأ أنه ينتظر انهيار العراق لإعلان دولته. هنا يبدو البرازاني فقد منطقه السياسي، واستبدله بمنطق الانتقام.