بدأت الاجتماعات الفعلية والترتيبات النهائية للإعداد لأول "انتخابات" برلمانية في الإمارات والتي من المتوقع أن يتم إجراؤها خلال شهر نوفمبر المقبل. وبين متحمس لهذه الانتخابات وغير متحمس، وبين مؤمن بالتجربة الجديدة وآخر كافر بها، وبين متفائل بمستقبل مختلف وآخر لا يرى أن أي اختلاف قد يحدث بين اليوم والغد، تأتي هذه التجربة التي لا شك أنها تاريخية، وستذهب مجموعة صغيرة من المواطنين إلى صناديق الاقتراع لتختار عدداً ممن تم اختيارهم سلفاً، وسيقول هؤلاء البعض كلمتهم في من سيكونون ممثلي المواطنين خلال السنوات القادمة. لا ندري على أي أساس سيختار الأربعة آلاف مواطن مرشحيهم العشرين؟ ولكننا نتمنى أن يكون للجنة الوطنية للانتخابات دور في مراقبة مثل هذه التفاصيل لنعرف بعد انتهاء الانتخابات على أي أساس اختارت تلك النخبة مرشحيها، فهذا يعطينا مؤشرا وإنْ لم يكن دقيقاً على مستقبل المجلس أولاً، وثانياً على كيفية وصول أولئك الأعضاء إلى المجلس الوطني وخصوصاً أن هناك من "حاول" أن يدعم بعض أصدقائه وأقربائه– وانْ لم يكونوا أكفاء- كي يكونوا من ضمن الأربعة آلاف ناخب، وهذا أمر طبيعي ومتوقع في أي انتخابات، ولكننا نفترض أن يكون محدوداً جداً في انتخاباتنا التي نبنيها خطوة خطوة وبتدرج حذر جداً يقبله الأغلبية ويتحفظ عليه البعض. من الأمور التي يترقبها المواطن من المجلس الوطني الاتحادي مراقبة أداء الحكومة؛ فلا ينتظر المواطن أن يستمر هذا المجلس ويواصل مسيرة المجالس السابقة– مع كامل احترامي لها جميعا- ويواصل مسيرة "موافقون" على كل شيء وأي شيء ويخرج الوزراء من المجلس كما دخلوا، وكأنهم لم يكونوا في البرلمان؟! من الطبيعي أن يكون السؤال الجوهري الذي يطرحه المواطنون اليوم هو: ما الشيء المختلف الذي سيفعله هؤلاء الأعضاء ولم يفعله من سبقوهم؟! ففي النهاية هؤلاء تم اختيارهم– ولو بشكل غير مباشر- ومن سبقوهم كانوا مختارين ومعينين أيضاً... وهنا يكمن التحدي الرئيسي لمشروع الديمقراطية في الإمارات، ولهذه الخطوة، فإذا استطعنا أن نسير بهذه التجربة إلى بر الاقتناع وإيمان الجماهير بفاعلية دور الأعضاء الجدد وباختلاف أسلوب عمل البرلمان عما سبقه نكون قد تقدمنا خطوة إلى الأمام ويبدو أن هذا هو التحدي وهذا ما يجب أن تتضافر الجهود من أجله، فلا يكفي أن نقول إن عندنا انتخابات ومراكز اقتراع وصناديق انتخاب ومواطنين متحمسين وحملات انتخابية ومنافسة من أجل الوصول إلى كرسي البرلمان، وإنما المهم كيف يكون أداؤنا على ذلك الكرسي؟ هل سيكون الأعضاء نوابا حقيقيين للمواطنين ينقلون همومهم ويتبنون آراءهم أم أنهم سيكونون نواب "الموافقة" على كل شيء والنواب الذين يقولون "الحكومة عاوزه كده" ونحن نفعل ما تريده الحكومة؟! نفترض أنه من خلال ما تقوم به الحكومة واللجنة الوطنية للانتخابات اليوم أن يستطيع المجتمع أن يتخطى المرحلة الخطيرة التي تقع فيها بعض المجتمعات في دول العالم الثالث عندما تنتقل من النظام غير الديمقراطي إلى نظام ديمقراطي، وهو أن يأتي المواطن ويختار مرشحه على أساس ما طلب منه أو على أساس شكل المرشح وليس دون أن يعرف برنامجه الانتخابي أو خلفيته في الحياة العامة أو أهدافه من وراء دخول المجلس بل حتى إنه لا يعرف اسمه فيقول إنني "اختار المرشح اللي لابس غترة حمرة" أو المرشح "أبو الكرفته الزرقاء" أو الآخر "أبو نظارة"! وهذا ما يحدث، ثم تكون نتائج هذه الانتخابات أسوأ من نتائج تعيين المجلس، لذا من المهم أيضاً العمل على خلق مجتمع مدني واع يعرف حقوقه وواجباته بشكل صحيح. بالإضافة إلى ذلك، فإن خلق مجتمع مدني نشط له إيجابيات كثيرة، حيث أنه سيؤدي إلى تشجيع المواطن على احترام الدولة والتعامل معها بايجابية، وذلك لن يكون إلا من خلال ترسيخ قيم المساءلة والتفاعل والتجاوب، كما أن ذلك يؤدي بشكل تلقائي إلى حماية شرعية النظام السياسي، وبالتالي تحسين أداء دور الدولة ونيل ثقة المواطنين ويجعل المواطن جزءاً من القرار في الدولة وشريكاً في صناعته وبالتالي تحمل تبعاته. وهذا يخفف على الدولة عبء اعتماد المواطنين عليها في كل شيء أو تحميلها مسؤولية كل شيء. كل من يراقب الأوضاع في المنطقة بل وفي العالم أيضاً لابد وأن يصل إلى قناعة بأهمية دعم المجتمع المدني، والنظرية تقول إن فرص إيجاد مجتمع ديمقراطي مستقر تكون أكبر كلما كان المجتمع المدني لا يضم جماعات مصالح متطرفة أو ذات سلوك غير ديمقراطي. من فوائد المجتمع المدني أنه ينشر ثقافة قبول الرأي الآخر والتعايش مع الرأي المخالف، وهو عكس ما تقوم عليه الجماعات المتطرفة التي ترفض حكم القانون وترفض سلطة الدولة والتي لا يمكن ألا يكون لها مكان في المجتمع المدني، فإما أن تذوب وتصير جزءاً مقبولاً في المجتمع، أو تختفي تماماً وتكون منبوذة من أفراد المجتمع لذا، فان إيجاد مجتمع مدني أمر في غاية الأهمية، أولاً للوقاية من أي تطرف محتمل، وثانياً للفظ أي جماعة متطرفة فكرياً ودينياً، وسياسياًً...الخ كما أن وجود مجتمع مدني حقيقي يؤدي إلى أنه لو كانت هناك جماعات مناهضة ومعارضة للدولة أو المجتمع، فإن وجود مؤسسات المجتمع المدني أو وجودها من ضمنها سيجعل من هذه الجماعات مثقفة وواعية، وبالتالي فإنها تقوم بمعارضتها وتعبر عن اختلافها بطرق متحضرة وسلمية. وهناك مترددون بشأن العملية الانتخابية وهناك من يصيبهم القلق عندما يبدأ الحديث عن مجتمع مدني. وفي مجتمع محافظ كمجتمع الإمارات هذا أمر طبيعي لذا من المهم أن نوضح بعض الأمور فيما يتعلق بالمجتمع المدني ليطمئن المواطن وتطمئن الحكومة أيضاً. فلا يمكن اعتبار المجتمع المدني شيئا ناتجا عن هدم أو تراجع الدولة وإنما هو نتاج تنظيم العلاقة مع الدولة... ويجب أن نكون مؤمنين بأن تفكيك دور الدولة لا ينتج مجتمعاً مدنياً قوياً، لذا من أدوار المجتمع المدني هو ترسيخ دور الدولة المركزي ودعمه حتى لا تخرج علينا مجموعات متفرقة يمكن السيطرة عليها وتحريكها من قبل أصحاب المصالح في الداخل أو الخارج. لقد أثبتت التجارب أن الدولة الحديثة هي تلك التي تقوم على تعاون الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني معاً ولا يمكن أن يكون هناك مجتمع مدني قوي في ظل وجود دولة ضعيفة. إذا فإن الدولة عندما تتخلى عن بعض أدوارها لمؤسسات المجتمع المدني، فإنها بذلك لا تتحول إلى منطقة الضعف فكل ما يحدث في هذه الحالة هو أن الدولة تغير وتبدل من أدوارها فقط، وهذا ما يجب فهمه وإدراكه حتى لا يشعر البعض عندما نتكلم عن مجتمع مدني وكأننا نتكلم عن خلق مجتمع جديد وإلغاء دور الدولة والحكومة... فالأمر على عكس ذلك تماماً. أخيراً وحتى يكتمل حلم الديمقراطية هناك جانبان يجب عدم اغفالهما في مسيرة التغيير: أولاً تعديل بعض مواد القوانين الاتحادية التي تتعلق بآلية عمل المجلس الوطني حتى يستطيع أعضاء المجلس القيام بدورهم، وحتى يكون لهم صوت إنْ لم يكون أقوى من صوت الحكومة على الأقل أن يكون مساوياً له... الجانب الآخر هو السماح للصحافة بأن تمارس دورها في المرحلة المقبلة بحيث تشارك في تقييم التجربة وإبراز إيجابياتها وسلبياتها ونقل موقف الشارع منها بكل صدق وموضوعية. وقبل ذلك أن تساهم في توعية المجتمع وإعلامه بتفاصيل هذه التجربة الجديدة.