جميع المحاولات الرامية لتفسير أسباب حدة المشاعر المعادية للولايات المتحدة في الخارج تركز -وهذا طبيعي- على سياستها في العراق وعلى غيرها من السياسات التي لا تحظى بالقبول، والتي تنتهجها الإدارة الحالية. ولكن التنامي غير العادي لممارسة أخرى في السياسة الخارجية على مدار العقود الثلاثة الماضية سواء من جانب الكونجرس أو من جانب الإدارات الأميركية -"ديمقراطية" أو "جمهورية"- ساعدت عل تأجيج المشاعر المعادية لأميركا في الخارج. يطلق على هذه الممارسة مسمى "السياسة الخارجية بواسطة بطاقات التقرير" والتي يقصد بها قيام الإدارة الأميركية بإصدار تقارير سنوية لتقييم أداء الدول الأخرى، مع إشهار سيف العقوبات على تلك الدول التي لا تحصل، من وجهة نظرنا، على درجة النجاح المطلوبة. فالاستخدام المبالغ فيه لهذه التقارير يجعلنا نبدو في مظهر القاضي، وفيلسوف الأخلاق، و"الفتوة"، في نظر الآخرين. والحقيقة أن الدرجة التي تمت بها "مأسسة" التقارير العلنية المصحوبة بالتهديد بالعقوبات، قد وصلت إلى درجة مذهلة في السياسة الخارجية الأميركية. ففي كل عام تقوم الولايات المتحدة بإصدار تقارير مفصلة عن أوضاع حقوق الإنسان في كل دولة من العالم، حتى في الدول التي يبدو أداؤها في هذا المجال تحديداً أفضل من أدائنا. فنحن نقوم بتقييم ما إذا كانت درجة تعاون هذه الدول في مجالات مثل مكافحة المخدرات على سبيل المثال كافية أم لا.. كما نقوم بوضع الدول التي لم يرق أداؤها في مجال حماية الملكية الفكرية إلى المستوى المطلوب على "قوائم المراقبة"، مع التهديد بفرض عقوبات تجارية ضد هؤلاء الذين لا يعملون على تحسين مستواهم أو أدائهم. كما نقوم بالحكم على مدى الالتزام بحقوق العمل في الخارج من خلال نظام علني للشكاوى من جانب العمال المتضررين، كما نقوم بنشر تقارير سنوية عن مدى احترام دول العالم للحريات الدينية. والأكثر من ذلك أننا نسعى إلى ضمان كفاية عمليات الإشراف على سلامة الطيران المدني وأمن المطارات الأجنبية من خلال إجراء عمليات تفتيش خاصة، مع العمل على تصنيف أداء الحكومات في هذا المجال. ولا يقتصر الأمر على ذلك بل إننا نقوم مثلاً بمنع استيراد الروبيان من البلدان التي لا تلتزم أساطيل الصيد التابعة لها باستخدام جهاز خاص يضمن عدم اصطياد السلاحف البحرية، وكذلك بمنع استيراد أسماك "التونة" ذات الزعانف الصفراء من البلدان التي نرى أن الإجراءات التي تطبقها في مجال حماية الدلافين غير كافية. وليس هذا كل شيء حيث نقوم أيضاً بإعداد تقارير عن تهريب البشر، وتصنيف أداء كل دولة من الدول التي تنتشر فيها هذه المشكلة- أي كل الدول تقريباً.. كما نقوم بحرمان الدول التي لا تدخل في اتفاقيات معنا تهدف إلى حماية مواطنينا من المثول أمام محكمة الجزاء الدولية من فرص تلقي التعليم العسكري والتدريب والمواد العسكرية. والفكرة هنا ليست هي أن تلك الأهداف غير شرعية، فالحقيقة هي أن الأغلبية العظمى من الأميركيين -إن لم يكونوا كلهم- على استعداد لتقديم الدعم والمساعدة اللازمين لتحقيق هذه الأهداف، إذا ما تأكدوا من أن الحكومة جادة في دعمها وأنها ستثابر على ذلك. وعلى الرغم من أن تقارير التقييم السنوي الأميركية تدفع بعض الدول أحياناً إلى تحسين أدائها في مسألة من المسائل خوفاً من الوقوع تحت طائلة العقوبات، أو على الأقل تجنب الإحراج الذي تشعر به جراء الانتقادات الواردة في التقارير العلنية الأميركية، فإن تلك التقارير في مجملها أدت إلى ترسيخ الصورة التي يتبناها البعض في الخارج عنا، وهي أننا نسعى إلى أن فرض أنفسنا كشرطي وقاضٍ ومجلس محلفين على سلوك الآخرين. إن الحكومات وخصوصاً حكومات الدول النامية غالباً ما تلتزم بالأهداف التي ندعو إليها ونروج لها، ولكن المشكلة هي أن هذه الدول تعاني من الفقر وعدم الاستقرار السياسي ومشكلات تتعلق بوجودها مما يجعل تركيزها على مواجهة تلك المشكلات المُلحة أكثر من تركيزها على القضايا والمسائل التي نقوم بتقييم أدائها فيها. وعلى الرغم من أن تلك الدول لا تتوقف عن محاولة تحسين أدائها في مسائل مثل التجارة بالبشر، فإن أداءها في مسائل أخرى مثل المخدرات وحقوق الإنسان يظل دون المستوى المطلوب. وهذه الدول كثيراً ما تسوق حجة مؤداها أنها مهما حاولت، ومهما بذلت من جهد بشأن هذه القضايا، فإن أداءها لا يروق لنا مما يؤدي إلى شعورها بالإحباط وخيبة الأمل والغضب ومن ثم امتناعها عن بذل المزيد من المحاولات الجدية لتحسين أدائها في قضايا كان يمكن أن تشكل قضايا مشتركة بيننا وبينها. وبوسعنا تعديل هذا النهج في التعامل، وخصوصاً بالنسبة للمسائل التي تحظى بدعم واسع النطاق في المجتمع الدولي، وذلك من خلال الترويج لهذه المسائل ودفعها قدما إلى الأمام من خلال المنظمات والمؤسسات متعددة الأطراف. فنحن نجحنا على سبيل المثال في تطوير إجراءات أكثر فعالية وقوة ضد ظاهرة غسيل الأموال، وذلك عن طريق تشكيل ما يعرف بـ"قوة الواجب الخاصة بالإجراءات المالية" التي تشارك فيها قاعدة عريضة من الدول. كما أن التخفيف من حدة، وعدد تقارير الأداء العلنية في المجالات الأخرى سيكون مفيداً في هذا المجال مع لفت النظر في هذا المقام إلى أنه من الأهمية بمكان بالنسبة لنا أن نعمل على الامتناع عن استخدام هذه الأداة –تقارير الأداء- من أجل الترويج لأهداف جديدة، مهما كانت هذه الأهداف جديرة بالاهتمام في المستقبل. إن قدرة المجتمعات الأخرى على تحمل التعرض للتقييم والحكم على أدائها علناً من قبل الولايات المتحدة قد وصلت الآن إلى حدها النهائي. هون آر. هاميلتون سفير سابق للولايات المتحدة في بيرو وجواتيمالا ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"