بالضربة الرمزية والموجعة التي وجهها لحكومة الرئيس فيسينتي فوكس، يكون المرشح الرئاسي المنهزم "أندريه مانويل لوبيز أوبرادور" قد أنهى الجولة الأولى من مساعيه في إطار ثورته السلمية الرامية إلى تغيير المكسيك. حيث حشد الزعيم اليساري الدعم الكامل من أعضاء حزبه في الكونغرس من أجل منع "فوكس" من إلقاء خطاب تلفزيوني حول "حالة الاتحاد" يوم الجمعة، مذلاً بذلك الرئيس ومعززاً المخاوف من أن يكون "فوكس" عاجزاً عن ممارسة السلطة في وجه معارضة متزايدة. يقول "أرماند بيشارد سفيردراب"، الخبير في الشؤون المكسيكية بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية بواشنطن: "السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو: هل تتجه المكسيك إلى أزمة سياسية؟ الواقع أنه يمكن للمرء بعد يوم الجمعة أن يقول إن البلاد دخلت دائرة الأزمة"، مضيفاً: "لا يبدو أن ثمة رغبة في التفاوض أو التوافق. وبالتالي، فإن الأمر يشبه قطارين يسيران في اتجاهين متعاكسين يندفعان على نفس السكة قبل الاصطدام". وتحسباً لما توعد به الزعيم اليساري، قامت السلطات بنشر الآلاف من أفراد الشرطة الفدرالية بمقر الكونغرس يوم الجمعة، في خطوة استباقية لقطع الطريق على أنصار "لوبيز أوبرادور" الذين يطالبون بإعادة فرز بطاقات التصويت المدلى بها في انتخابات الثاني من يوليو، والتي أسفرت عما يبدو فوزاً للمحافظ "فيليب كالديرون" بفارق أقل من نقطة واحدة في المئة. غير أن "لوبيز أوبرادور" دعا في وقت متأخر من عصر ذلك اليوم جحافل المتظاهرين إلى التزام الهدوء. وبدلاً من ذلك، نهض البرلمانيون المنتمون إلى حزبه "حزب الثورة الديمقراطية" من مقاعدهم ذاك المساء واستولوا على القاعة. وحسب بعض المحللين، فقد كشف الاستيلاء على منبر الكونغرس بلحظات فقط قبيل خطاب "فوكس" الاستراتيجية المزدوجة التي ينتهجها "لوبيز أوبرادور" والتي تقوم على استعمال مظاهرات الشارع والبرلمان من أجل تكرار نفس المطالب. هذا ومن المتوقع أن يستعمل "لوبيز أوبرادور"، الذي ينظر إلى أبعد من الانتخابات المطعون في نتائجها، كلتا الوسيلتين في محاولة لإعادة المكسيك إلى اقتصاد محمي من قبل الدولة، والتصدي لما يسميه منافسة عالمية غير عادلة تبقي نصف سكان المكسيك فقراء. وفي هذا الإطار، يقول دانييل لاند، المحلل السياسي بالعاصمة ميكسيكو: "لو أن لوبيز أوبرادور كان أحد رجال الشارع، فحينها سيكون الأمر مختلفاً. غير أنه واحد من أفضل السياسيين في البلاد. أما أهدافه بالنسبة لحزبه (حزب الثورة الديمقراطية)، ففي مقدمتها التجذر وبناء قاعدة انتخابية صلبة". في السنوات العشر الماضية، ساعد "لوبيز أوبرادور" حزبه على الفوز في مختلف الاستحقاقات على الصعيد المحلي والفيدرالي، بداية بوصفه رئيساً للحزب ولاحقاً بوصفه عمدة للعاصمة المكسيكية. وكان آخرها انتخاب مرشح "حزب الثورة الديمقراطية" حاكماً لولاية "تشياباس" لأول مرة، هازماً بذلك ائتلافاً عُقد في اللحظات الأخيرة بين "حزب العمل الوطني" الذي ينتمي إليه "فوكس" و"الحزب الثوري الدستوري"، الذي احتكر رئاسة المكسيك لسبعة عقود إلى حين فوز "فوكس" عام 2000. والواقع أن العديدين كانوا يتوقعون حدوث تصدعات داخل "حزب الثورة الديمقراطية" هذا الصيف بعدما أدار "لوبيز أوبرادور" حملة عصيان مدني استمرت أسابيع عدة وتميزت بإغلاق الشوارع ونصب مخيمات الاحتجاج وسط العاصمة، والتي، رغم كونها سلمية في معظمها، عرقلت حركة المرور وأثرت سلباً على النشاط التجاري وأثارت استياء السكان. غير أنه بالرغم من أن خطابه القوي حدا بالعديد من أنصاره السابقين إلى الابتعاد عن الحزب، إلا أن "لوبيز أوبرادور" أثبت أنه متحكم في زمام الحزب، الذي بات اليوم يمثل ثاني أكبر كتلة في الكونغرس المكسيكي المنتخب حديثاً. وفي هذا السياق، يقول بيشارد سفيردراب، المشار إليه أعلاه: "إن القدرة على الحفاظ على وحدة الحزب وتماسكه، وعلى منع الرئيس من إلقاء خطابه، إنما تعكس القوة التي تتمتع بها الحركة". وقد حشد "لوبيز أوبرادور"، البالغ 52 عاماً، الدعم الذي يحظى به اليوم منذ أن كان عمدة للعاصمة وبفضل قوافل السيارات التي كانت تجوب البلاد طيلة نحو 10 أشهر من الحملة الانتخابية، تمكن خلالها هذا السياسي المتمتع بجاذبية شخصية وصاحب الخطابات النارية من استقطاب الفقراء الذين ازدادوا فقراً في ظل توجه المكسيك خلال العشر سنوات الماضية تجاه نظام السوق الحرة. ويقول جورج غريسون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة "ويليام آند ماري" ومؤلف كتاب حول سيرة حياة لوبيز أوبرادور: "إنه يؤمن بالوطنية الثورية: حكومة كبيرة، وبرامج اجتماعية، وحمائية اقتصادية، واكتفاء ذاتي من حيث النفط والغاز الطبيعي". يُذكر أن "لوبيز أوبرادور" خسر في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بفارق 240000 صوت من أصل الـ41 مليون صوت التي أُدلي بها في انتخابات يقول هو إنها سُلبت باسم كالديرون من قبل فوكس وحلفائه. وفي ظل انقسام الرأي العام إزاء نتائج الانتخابات والغضب المتزايد في صفوف المتظاهرين والمخاوف من اندلاع اشتباكات عنيفة، يواجه "فوكس" اليوم ضغوطاً كبيرة من أجل التوصل إلى اتفاق ما مع "لوبيز أوبرادور"، وهو أمرٌ مستبعد في الوقت الراهن، أو التعاطي بقوة أكبر مع المحتجين. ويقول بيشارد سفيردراب: "لقد أظهرت إدارة فوكس تحكماً في الأعصاب وضبطاً للنفس، غير أن الرأي العام قد يجبرها على التحرك بطريقة مختلفة قريباً". سام إينريكيز مراسل "لوس أنجلوس تايمز" في العاصمة المكسيكية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"