شهد عدد القتلى العراقيين ارتفاعاً ملحوظاً زادت نسبته على 50 في المئة خلال الأشهر القليلة الماضية، جراء تصاعد العنف الطائفي والتمرد الذي لا يزال قوياً وقادراً على البقاء، على حد تقرير شامل عن الوضع الأمني في العراق أعدته وزارة الدفاع الأميركية مؤخراً. هذا وقد قفز متوسط الهجمات إلى 800 هجوم أسبوعياً، خلال الفترة الفاصلة بين تشكيل الحكومة العراقية الجديدة في 20 من مايو المنصرم وشهر أغسطس الماضي. ويمثل هذا الرقم زيادة كبيرة عما كان عليه في العام الماضي، بينما يصل إلى معدل الضعف تقريباً قياساً إلى نسب ومعدلات النصف الأول من عام 2004. وبالنتيجة فقد ارتفع عدد القتلى العراقيين بنسبة 51 في المئة وفقاً لآخر تقارير الفترة الأخير من النزاع. ولاحظت وثيقة البنتاجون المشار إليها أن عدد القتلى العراقيين من المدنيين وأفراد الأجهزة الأمنية يبلغ نحو 120 قتيلاً يومياً، قياساً إلى 80 في الفترة السابقة التي أُعدت خلالها تقارير مماثلة بين منتصف شهر فبراير إلى منتصف شهر مايو الماضي، أما قبل عامين، فقد كان ذلك الرقم في حدود 30 قتيلاً يومياً. كما لاحظ تقرير البنتاجون أيضاً أن عدد إجمالي الهجمات، قد ارتفع بين كل الفئات خلال الفترة الأخيرة نفسها، إلا أن الموجة منها ضد المدنيين قد شهدت ارتفاعاً حاداً وملحوظاً بصفة خاصة. وجاء في التقرير أيضاً أن فرق الاغتيالات تتبارى في تعزيزها لمواقعها الطائفية، بينما يصوّر المتطرفون الشيعة والسنة على حد سواء، أنفسهم على أنهم "حماة" الطائفة التي ينتمون إليها. تقرير البنتاجون الذي يحمل عنوان "قياس الوضع الأمني والاستقرار في العراق" عادة ما يصادق عليه الكونجرس، وينشر على أساس ربع سنوي. وعادة ما يغطي التقرير موضوعات واسعة، بما فيها الاقتصاد والسلوكيات العامة واتجاهات الرأي ثم الجانب الأمني. أما هذه المرة فقد انصرف تركيز التقرير إلى دراسة الوضع الأمني بصفة خاصة، نظراً لازدياد المخاوف من أن ينزلق العراق إلى هاوية حرب أهلية، ثم يسبب تلازم صدوره مع الجهود الحالية التي تبذلها إدارة بوش في تعزيز حججها ومبرراتها الداعمة للحرب، في مواجهة انتقادات شرسة تتعرض لها من قبل "الديمقراطيين". غير أن التقرير لم يشر إلى الجهود الأخيرة الرامية لاستعادة الأمن والاستقرار في العاصمة بغداد، بما فيها تلك العمليات التي شملت مشاركة 12 ألف جندي إضافي، من بينهم 7 آلاف جندي أميركي. هذا وقد صرح الكولونيل "توماس فيل" قائد اللواء رقم 151 الأول من وحدة سلاح الطيران، للصحفيين يوم الجمعة الماضي بأن قواته قد أحرزت تقدماً ملحوظاً خلال الأيام القليلة الماضية في دك حصون العنف في بغداد. وقد اتسمت الأيام القليلة الماضية بالوحشية والدموية الخاصة، إذ شهدت مقتل حوالى 250 عراقياً وإصابة عشرات آخرين منذ الأحد الماضي· ومن جانبها فقد أقرت وزارة الدفاع الأميركية أن المعلومات المنشورة عن الهجمات وحوادث القتل والإعدامات المتبادلة مثيرة للمخاوف والقلق. ووصف بيتر رودمان- وهو مسؤول كبير بوزارة الدفاع- التقرير هذا بأنه جاء مؤسفاً هذه المرة. ومضى قائلاً في تصريحه للصحفيين الذين التقاهم لمناقشة التقرير: "لقد جاء الربع الأخير من العام قاسياً وفظاً، بسبب حدة العنف الطائفي وارتفاعه المثير للقلق". ومن جانبهم وصف المشرعون الديمقراطيون التقرير بأنه دليل دامغ على فشل استراتيجية الإدارة. من ذلك مثلاً قال السناتور "جاك ريد" من رودآيلاند، إن الإدارة لم توفر المصادر الحقيقية سواء كانت خبراء عسكريين أم مدنيين، كما أنها لم توفر الميزانية اللازمة لإعادة البناء ولا لتجاوز العراقيين لمرحلة عدم الاستقرار المقلقة هذه التي يمرون بها. وقد سجّل التقرير سلسلة من المخاطر الأمنية في عدة جبهات، وعلى رغم ضعف التغطية التي حظي بها التمرد السني على إثر اندلاع العنف والمواجهات الطائفية بين الشيعة والسنة، إلا أنه حذر من أن شوكة التمرد لا تزال قوية وعازمة على المضي في طريقها ومخططاتها. من ذلك مثلاً أن متوسط الهجمات اليومية في محافظة الأنبار التي تعد معقلاً للتمرد السني في غربي العراق، يصل إلى حوالى 30 هجوماً. أما فيما يتصل بالعمليات التي ينفذها تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين"، فقد أمكن لها الاستمرار على رغم مقتل زعيمها أبومصعب الزرقاوي في شهر يونيو الماضي. بيد أن تصاعد العنف الطائفي مؤخراً هو الظاهرة الأشد إثارة للقلق الآن، وكما لاحظ تقرير البنتاجون، فقد تحول محور النزاع في العراق إلى نزاع بين متطرفي السنة والشيعة، حيث يسعى كلاهما لبسط نفوذه وهيمنته على المناطق الرئيسية والاستراتيجية في بغداد، ولحماية جيوبه وقواعده الطائفية، والاستحواذ على الموارد الاقتصادية للبلاد، إلى جانب السعي لفرض أجندته السياسية والدينية على الآخر. وفي نطاق ترديده لآخر التصريحات الصادرة عن القادة العسكريين، قال التقرير إن الظروف المؤدية لاندلاع حرب أهلية في العراق لا تزال قائمة، خاصة داخل العاصمة بغداد وفي المناطقة المحيطة بها. كما ازدادت مخاوف العراقيين أنفسهم من اندلاع هذه الحرب خلال الأشهر القليلة الماضية. كما لاحظ التقرير اتساع نطاق العنف الطائفي تدريجياً إلى الشمال في كل من كركوك ومحافظة ديالا، وفي المقابل فقد انحسرت كثيراً ثقة العراقيين في مستقبل أفضل لهم. وقد أشارت إلى هذه الحقيقة آخر استطلاعات الرأي التي جرى تضمينها في تقرير البنتاجون. على أن التقرير أكد على رغم ذلك أن معدل العنف في العراق لم يصل بعد إلى المعدلات القياسية المتعارف عليها لحالة الحرب الأهلية. وعلى الرغم من أن التقرير كفّ عن تقديم أي إيضاحات لهذا التقييم، إلا أن المؤكد أن الواقع العراقي أصبح اليوم أكثر دموية وعنفاً من ذي قبل. مايكل جوردون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محرر بقسم الشؤون الخارجية في "نيويورك تايمز" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"